
لم تنتهِ حكاية انتخابات 23 شتنبر 2026 عند إعلان النتائج وتوزيع المقاعد. فبعد تركيب اللائحة النهائية للنواب الـ395، ظهرت ظاهرة أخرى تستحق التوقف: أكثر من عشرين نائبا ونائبة يجمع بينهم رابط عائلي، فيما تبقى حالات أخرى في انتظار التحقق.
الرقم ليس مجرد تفصيل في لائحة المنتخبين. فهو يعني أن عشرات المقاعد البرلمانية باتت مرتبطة بعائلات سياسية حاضرة داخل المؤسسة التشريعية نفسها، وإن كان ذلك لا يعني قانونياً أو انتخابياً أن القرابة كانت سبباً في الفوز.
20 نائباً.. والرقم قد يرتفع
تُظهر عملية مطابقة الأسماء والمعطيات المتاحة وجود ما لا يقل عن 20 نائبا ونائبة تربط بينهم صلات قرابة مؤكدة، ينتمون إلى نحو عشر عائلات.
وتبرز حالات داخل الأصالة والمعاصرة، والاستقلال، والحركة الشعبية، والتجمع الوطني للأحرار، والاتحاد الدستوري، والاتحاد الاشتراكي.
كما تظهر أسماء مشتركة أخرى، من بينها حجيرة والجماني والزاهر، لكن صلة القرابة في هذه الحالات لا تزال بحاجة إلى توثيق علني أكثر حسماً.
وبذلك يمكن أن يتجاوز عدد النواب المنتمين إلى عائلات ذات حضور داخل المجلس 26 نائباً إذا تأكدت الحالات المرجحة.
حين لا تدخل العائلة من الباب نفسه
المثير أكثر أن بعض العائلات لم تصل إلى البرلمان عبر المسار الانتخابي نفسه.
ففي حالات عدة، فاز أحد أفراد الأسرة في دائرة محلية، بينما وصل قريب له عبر الدائرة الجهوية. وفي حالات أخرى، نجح أفراد من العائلة نفسها في دوائر محلية مختلفة.
وهنا لا تعود المسألة مجرد مصادفة انتخابية داخل دائرة واحدة، بل تصبح جديرة بالبحث في كيفية انتشار الشبكات السياسية والعائلية عبر أكثر من مجال انتخابي.
الأسماء نفسها.. الأحزاب تتغير
من وهبي وودمين وبادل، إلى قيوح وزكراني، وسرار وعيدودي، وبوعيدة وجودار والعكرود، تكشف الخريطة أن ظاهرة القرابة عابرة للأحزاب.
وهذا ما يجعلها أكثر أهمية من مجرد حالات فردية.
فالسؤال لا يتعلق بحزب بعينه، وإنما بقدرة النظام الحزبي نفسه على إنتاج نخب جديدة خارج الأسماء والشبكات التي راكمت حضوراً سياسياً وانتخابياً عبر السنوات.
قلب المثلث: المشكلة ليست في القرابة
ليس من الدقة القول إن وجود شقيقين أو أب وابنته داخل البرلمان دليل على فساد الانتخابات أو خرق القانون.
المشكلة تبدأ في مكان آخر.
هل يحصل جميع المتنافسين على الفرص نفسها للوصول إلى التزكية؟
هل يستطيع وجه سياسي جديد منافسة اسم عائلي راكم الحضور والعلاقات والموارد؟
وهل تقوم الأحزاب بتجديد نخبها فعلاً، أم تعيد تدوير شبكات انتخابية أثبتت قدرتها على الفوز؟
هنا يجب قلب المثلث: بدلا من النظر إلى النائب كحالة فردية، ينبغي النظر إلى الشبكة التي تقف خلفه: الحزب، والعائلة، والمجال المحلي، والعلاقات السياسية والاجتماعية.
برلمان جديد.. وشبكات قديمة
تكشف انتخابات 2026 مفارقة واضحة: وجوه جديدة تدخل مجلس النواب، لكن بعض العائلات تدخل معه بأكثر من عضو.
وهذا لا يمنح حق إصدار أحكام مسبقة على هؤلاء النواب، لكنه يضع الأحزاب أمام سؤال صعب حول معنى تجديد النخب.
فالبرلمان لا يصبح أكثر تمثيلية بمجرد تغيير عدد من الأسماء، وإنما عندما يصبح الوصول إليه مفتوحاً أمام منافسة حقيقية بين الكفاءة والبرامج والحضور السياسي، لا أمام من يملك اسماً سبق أن حجز لنفسه مكاناً في الذاكرة الانتخابية.
السؤال الذي تتركه انتخابات 2026 مفتوحاً:
هل نحن أمام عائلات تصنع السياسة… أم سياسة ما زالت تصنع للعائلات مكانا داخل البرلمان؟
حين يصبح الأعيان أقوى من الحزب
ربما تكون ظاهرة العائلات داخل برلمان 2026 أقل أهمية من السؤال السياسي الذي تختبئ خلفه: من يصنع المرشح فعلياً؟ الحزب أم النفوذ المحلي؟
فحين يتكرر حضور أسماء عائلية داخل المؤسسة التشريعية، وحين يصل أكثر من فرد من الأسرة نفسها إلى البرلمان، لا يعود الأمر مجرد حكاية قرابة. إنه يفتح النقاش حول تحول جزء من العملية الانتخابية من منافسة بين مشاريع وأحزاب إلى منافسة بين شبكات نفوذ محلية.
وهنا يظهر الأعيان باعتبارهم أحد أبرز المستفيدين من هذا التحول.
فبعض الأعيان لم يعودوا مجرد مرشحين يحتاجون إلى الحزب للوصول إلى البرلمان؛ بل أصبح الحزب، في بعض الدوائر، هو الذي يحتاج إلى المرشح صاحب الشبكة والمال والحضور والقدرة على جلب الأصوات. ومن هذه النقطة تبدأ المعادلة في الانقلاب: بدل أن يفرض الحزب مرشحه على الدائرة، بات يجد نفسه مضطرا إلى التفاوض مع من يملك مفاتيحها الانتخابية.
الحزب يزكي.. والأعيان يفرضون شروطهم
في هذه الحالة، لا تعود التزكية مجرد قرار حزبي، بل تتحول إلى صفقة سياسية غير معلنة: الحزب يمنح الرمز الانتخابي، والعَيان يمنح القدرة الانتخابية.
وعندما تصبح هذه القدرة أقوى من التنظيم الحزبي نفسه، يستطيع صاحب النفوذ أن يذهب أبعد من ترشيح نفسه، فيدفع باتجاه زوجته أو ابنه أو ابنته أو شقيقه أو أحد أفراد عائلته.
وهنا لا يتعلق الأمر بالقول إن كل قريب استفاد من اسم عائلته؛ فهذا يحتاج إلى إثبات حالة بحالة، لكن استمرار وصول أفراد من الأسرة نفسها إلى مواقع انتخابية متعددة يطرح سؤالا مشروعا حول ما إذا كان النفوذ السياسي يتحول إلى رأسمال عائلي قابل للتوريث.
من توريث الاسم إلى توريث الشبكة
الأكثر خطورة سياسيا ليس أن يرث الابن اسم الأب، وإنما أن يرث معه الشبكة الانتخابية والعلاقات المحلية والقدرة على التفاوض مع الحزب ومفاتيح الحشد والتعبئة.
عندها يصبح الانتقال من جيل إلى آخر أكثر من انتقال اسم: إنه انتقال لموقع داخل منظومة النفوذ.
وهذا يطرح سؤالا جوهريا على الأحزاب المغربية: هل هي التي تختار ممثليها، أم أن بعض المرشحين أصبحوا يفرضون أنفسهم على الأحزاب بحكم قدرتهم الانتخابية؟
إذا كانت الإجابة تميل إلى الاحتمال الثاني في عدد متزايد من الدوائر، فنحن أمام أزمة تتجاوز الأشخاص إلى وظيفة الحزب نفسها.
حين يصبح الحزب تابعا للمرشح
الحزب السياسي يفترض أن يكون مؤسسة تنتج النخب، وتؤطر المواطنين، وتختار المرشحين وفق مشروع ومعايير سياسية وتنظيمية.
لكن عندما يصبح بعض الأعيان قادرين على فرض شروطهم، فإن المعادلة تنقلب: بدل أن يكون العَيّان ابن الحزب، يصبح الحزب ابن العَيّان.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى في برلمان 2026: قد تكون لدينا أحزاب كثيرة، وبرامج كثيرة، وشعارات انتخابية كثيرة، لكن القوة الفعلية في بعض الدوائر قد تكون مركزة خارج المؤسسات الحزبية، في شبكات محلية تعرف كيف تفاوض وتفرض وتحافظ على مواقعها.
وهنا نصل إلى قلب المثلث
القضية إذن ليست: كم نائباً له قريب داخل البرلمان؟
القضية هي:
من يملك القرار؟
من يمنح التزكية؟
من يملك الأصوات؟
ومن يستطيع أن يفرض على الحزب مرشحه، ثم مرشح زوجته أو ابنه أو أحد أفراد عائلته؟





