الرئسيةسياسة

لغة المنصوري في قمة موسكو تفجر الجدل

لم يكن اختيار فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة المغربية، اللغة الفرنسية لإلقاء كلمة باسم المملكة في القمة الروسية الإفريقية الثالثة بموسكو، مجرد تفصيل بروتوكولي يمكن تجاوزه، بل تحول إلى مناسبة لإعادة فتح نقاش سياسي وثقافي يتجاوز شخص رئيسة الحكومة، ليصل إلى طبيعة الاختيارات التي تعتمدها الدولة في تقديم هويتها إلى الخارج، ومدى انسجام خطابها حول السيادة الوطنية مع ممارسات مؤسساتها الرسمية.

ففي الوقت الذي يضع فيه الدستور المغربي العربية والأمازيغية في موقع اللغتين الرسميتين، اختارت المنصوري مخاطبة المشاركين في قمة دولية متعددة الأطراف باللغة الفرنسية، وهو ما أعاد إلى الواجهة سؤالا قديما يتعلق باستمرار حضور هذه اللغة في الإدارة ومؤسسات الدولة والنخب السياسية، رغم التحولات الدستورية التي عرفها المغرب.

لكن الجدل لا يتعلق بمجرد استعمال الفرنسية، باعتبارها لغة تواصل دولي، ولا بمطالبة المسؤولين بالتخلي عن اللغات الأجنبية، بقدر ما يتعلق بالدلالة السياسية لاختيار لغة بعينها عندما يتعلق الأمر بإلقاء خطاب رسمي باسم المملكة.

فكيف يمكن للدولة أن تدافع عن سيادتها وهويتها الوطنية، بينما تظل اختياراتها اللغوية في المحافل الدولية محكومة بتقاليد مؤسساتية موروثة؟

نور الدين العوفي يقلب السؤال: اللغة أم اللباس؟

وفي قلب هذا النقاش، يبرز سؤال الباحث والاقتصادي نور الدين العوفي، الذي اختار له عنوانا يبدو بسيطا في صياغته، لكنه يحمل أبعادا سياسية وثقافية عميقة: «أيهما أصدق تعبيرا عن الأصالة المغربية والسيادة: اللغة أم اللباس؟»

إن أهمية هذا السؤال تكمن في نقله النقاش من حدود اللغة التي تحدثت بها رئيسة الحكومة إلى مفهوم الأصالة والسيادة في حد ذاتهما.

فهل تختزل الهوية المغربية في الرموز والمظاهر الخارجية، أم أن لها امتدادات أعمق تظهر في اختيارات الدولة وخطاب مؤسساتها؟

وبين اللغة واللباس، يضع العوفي النقاش أمام مفارقة تستحق التأمل: هل يكفي استحضار الرموز التقليدية للتعبير عن الأصالة المغربية، بينما تظل اللغة التي تخاطب بها الدولة العالم خاضعة لاختيارات أخرى؟ وهل السيادة مجرد مظهر بروتوكولي، أم أنها تشمل أيضا امتلاك القدرة على التعبير عن الذات الوطنية بلغاتها الرسمية؟

بهذا المعنى، لا يتعلق الأمر بمفاضلة بين اللباس واللغة، ولا بتحويل العربية إلى أداة لإقصاء الفرنسية أو غيرها، وإنما بطرح سؤال الانسجام بين ما ينص عليه الدستور وما تعكسه الممارسة المؤسساتية.

فالأصالة لا تقاس بالمظاهر وحدها، والسيادة لا تكتمل بالشعارات إذا لم تجد طريقها إلى اختيارات الدولة اليومية.

علي أنوزلا: لماذا لا يُلقى الخطاب بالعربية؟

ومن بين الأصوات التي انتقدت اختيار الفرنسية، الصحافي والكاتب المغربي علي أنوزلا، الذي اعتبر أن قراءة خطاب مكتوب ومعد مسبقا بالفرنسية لا يمكن تبريرها بصعوبة الارتجال باللغة العربية.

ويرى أنوزلا أن المسألة تتجاوز القدرة على التواصل بلغة أجنبية، لتتعلق بالاختيار الذي اتخذته رئيسة الحكومة وهي تتحدث باسم المغرب أمام وفود دولية.

فحين يكون النص جاهزا، يصبح النقاش حول اللغة المختارة أكثر ارتباطا بالاعتبارات السياسية والثقافية منه بالقدرة على التعبير أو الارتجال.

ويعيد هذا الموقف طرح مسؤولية المؤسسات الرسمية في تعزيز حضور اللغات الدستورية، خصوصا أن الأمر يتعلق بمسؤولة حكومية تمثل المملكة في مناسبة دولية، وليس بمشاركة شخصية أو لقاء خاص.

من البرلمان إلى موسكو.. جدل يتجاوز مخارج الحروف

ولم يأت الجدل الحالي من فراغ، إذ أعادت الواقعة إلى الأذهان الانتقادات التي واجهتها المنصوري خلال تقديم البرنامج الحكومي أمام البرلمان، حين واجهت صعوبات في قراءة بعض العبارات باللغة العربية، قبل أن ترد بأن المغاربة ينتظرون منها العمل والنتائج، وليس ضبط مخارج الحروف.

كما استحضرت وسائل إعلام مغربية مشاركة رئيسي الحكومة السابقين، سعد الدين العثماني وعزيز أخنوش، في قمتي سوتشي سنة 2019 وسان بطرسبرغ سنة 2023، حيث ألقيا كلمتي المغرب باللغة العربية.

وتناولت منابر إعلامية مختلفة الواقعة من زوايا متعددة، فمنها من ربط بين اختيار الفرنسية في موسكو والجدل السابق حول أداء المنصوري باللغة العربية داخل البرلمان، بينما ركزت أخرى »  على البعد الرمزي لاختيار لغة الخطاب الرسمي، وما يطرحه من أسئلة حول مكانة اللغتين العربية والأمازيغية في التمثيل الخارجي للمملكة.

الدستور لا يمنع الفرنسية.. لكنه يطرح مسؤولية الدولة

يستند جانب من الانتقادات إلى الفصل الخامس من الدستور المغربي، الذي ينص على أن العربية لغة رسمية للدولة، إلى جانب الأمازيغية باعتبارها رصيدا مشتركا لجميع المغاربة دون استثناء.

ولا يقتصر الفصل على إقرار الرسمية، بل يحمل الدولة مسؤولية حماية العربية وتطويرها وتنمية استعمالها، والعمل على تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية وفق مقتضيات القانون التنظيمي.

فثمة فرق بين حرية المسؤول في استعمال لغة أجنبية، وبين استمرار تحولها إلى اختيار شبه تلقائي في تمثيل المغرب خارجيا، حتى في المناسبات التي تتوفر فيها إمكانات الترجمة الفورية.

خطاب موسكو.. ماذا قالت المنصوري وماذا أثار اختيارها؟

وخلال كلمتها في القمة الروسية الإفريقية الثالثة، المنعقدة بالعاصمة موسكو يوم الخميس 29 أكتوبر، أكدت المنصوري أن إفريقيا تحتل أولوية في السياسة الخارجية للمغرب، انسجاما مع التوجه الرامي إلى تعزيز التعاون جنوب-جنوب وتطوير الشراكات الدولية.

ودعت إلى الانتقال بالشراكة الروسية الإفريقية من مرحلة التخطيط والإعلانات إلى تنفيذ مشاريع ملموسة تستجيب لأولويات القارة، خصوصا في مجالات الأمن الغذائي وأمن الطاقة والتصنيع ونقل التكنولوجيا.

كما أشارت إلى أن المبادلات التجارية بين المغرب وروسيا بلغت 630 مليون دولار سنة 2025، وأن الصادرات المغربية إلى روسيا ارتفعت بنسبة 18 في المائة، فضلا عن متابعة أكثر من سبعة آلاف طالب مغربي دراستهم في روسيا خلال الموسم الجامعي 2024-2025.

لكن مضمون الخطاب لم يحجب النقاش الذي أثاره اختيار اللغة الفرنسية لتقديمه، فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بإتقان المسؤولين للغات، وإنما بالصورة التي تقدم بها الدولة نفسها، وبمدى قدرتها على التوفيق بين الانفتاح على العالم والوفاء لتعددها اللغوي والثقافي.

وفي النهاية، يعيد سؤال نور الدين العوفي النقاش إلى نقطة أعمق: هل الأصالة المغربية مجرد لباس ورموز تستحضر في المناسبات، أم أنها أيضا لغة وممارسة ووعي بالذات الوطنية؟ وهل السيادة التي تدافع عنها الدولة في علاقاتها الدولية ينبغي أن تظل محصورة في القرار السياسي والاقتصادي، أم أن لها امتدادا ثقافيا ورمزيا يظهر حتى في اللغة التي تختارها للتحدث باسم مواطنيها؟

إن النقاش الذي أثاره خطاب موسكو لا يتعلق بالحرب على الفرنسية، وإنما بمساءلة اختيارات الدولة، وبحق اللغات الرسمية في الانتقال من الاعتراف الدستوري إلى الحضور الفعلي في مؤسسات المملكة وصورتها أمام العالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى