
بينما كان الوالي سعيد أمزازي يتجول صباح السبت داخل رحبة تكوين بأكادير، محاطًا بالمسؤولين والكاميرات، كان المواطن المغربي يتجول هو الآخر… لكن داخل حساباته البنكية الفارغة، يبحث عن طريقة لشراء أضحية لم تعد تشبه “شعيرة” بقدر ما أصبحت اختبارًا قاسيًا للقدرة الشرائية.
تحدثت السلطات عن التنظيم، وعن محاربة المضاربة، وعن توفير ظروف جيدة للبيع والشراء، كل شيء بدا مرتب أمام العدسات: حظائر منظمة، أرقام دقيقة، لجان مراقبة، وتصريحات مطمئنة. لكن السؤال الذي لم يطرحه أحد وسط هذا الاستعراض الرسمي هو: كم يبلغ ثمن الكبش الحقيقي بعيدًا عن الزيارات البروتوكولية؟
الكاميرات ترى النظام… ولا ترى الغلاء
في كل موسم، تتكرر المشاهد نفسها: مسؤولون يتفقدون الأسواق، تعليمات لمحاربة السماسرة، حديث عن وفرة العرض. لكن المواطن حين يدخل السوق وحده، يكتشف أن الواقع أكثر قسوة من البلاغات.
هناك، لا أحد يسأل عن “التدابير اللوجيستيكية”. الناس تسأل فقط:
كم ثمن هذا الكبش؟
ولماذا صار العيد مرعبًا للفقراء؟
الأثمنة التي يتداولها المواطنون داخل الرحبة تكشف أن الأزمة أعمق من مجرد “تنظيم”. كباش متوسطة الحجم بأثمنة تقترب من راتب شهر كامل، وأسر تؤجل الشراء يومًا بعد آخر على أمل انخفاض الأسعار، فيما يتحول العيد تدريجيًا من فرحة جماعية إلى موسم للقلق والديون.
كان جديرًا بالوالي أن يزور السوق متنكّرًا
كان جديرًا بالسيد الوالي أن يدخل الرحبة دون موكب رسمي، دون كاميرات، ودون مسؤولين يسبقونه لتنظيف المشهد قبل وصوله. كان عليه أن يتجول كأي مواطن بسيط، يسأل عن الأسعار الحقيقية التي تُقال حين تختفي العدسات، ويستمع إلى الهمس الذي لا يجرؤ الناس على قوله أمام السلطة.
فالحقيقة في المغرب لا تُقال دائمًا في الزيارات الرسمية، بل تُقال في الزوايا البعيدة من الأسواق، حيث يقف الأب مرتبكًا أمام ثمن خروف، وحيث تهمس الأمهات بأن “العيد هذا العام ثقيل”، وحيث يتحول التفاوض مع “الشناقة” إلى امتحان يومي للإهانة والصبر.
لو دخل الوالي متنكّرًا، لربما اكتشف أن المواطن لا يبحث عن جولات تفقدية، بل عن رحمة حقيقية توقف هذا النزيف المستمر في الأسعار.
من يحمي المواطن من سوق يلتهمه؟
الوالي شدد خلال الزيارة على ضرورة التصدي للغش والاحتكار والمضاربة. كلام يبدو جميلًا في التصريحات الرسمية، لكن المواطن البسيط لم يعد يريد خطابات مطمئنة، بل يريد نتيجة ملموسة داخل السوق.
لأن الحقيقة الصادمة هي أن المضاربة لا تختفي بالتصريحات، والسماسرة لا يخافون من الكاميرات، والقدرة الشرائية لا تتحسن بجولات المسؤولين.
ثم ماذا عن المواطن الذي يتقاضى الحد الأدنى للأجر؟
كيف سيشتري أضحية تجاوز ثمنها أحيانًا كل إمكانياته؟
ومن سيشرح للأطفال هذا العام أن “العيد صعيب”؟
21 ألف رأس… والجوع إلى الرحمة
رحبة تكوين استقبلت هذه السنة أكثر من 21 ألفًا و541 رأسًا من الأغنام والماعز، موزعة على 306 مستغلين، في واحدة من أكبر أسواق الأضاحي بجهة سوس ماسة. أرقام ضخمة توحي بوفرة العرض، لكن الوفرة لم تمنع ارتفاع الأسعار، ولم تمنع شعور آلاف الأسر بأنها أصبحت غريبة داخل سوق يفترض أنه خُلق من أجلها.
المفارقة المؤلمة أن الخرفان كانت حاضرة بكثرة… أما “الرحمة” فبدت نادرة.
حين يصبح العيد مناسبة لقياس الفقر
بعيدًا عن الجولات الرسمية، يعيش كثير من المغاربة هذا الموسم بإحساس ثقيل الخوف من العجز.
عجز عن شراء الأضحية.
عجز عن مسايرة الغلاء.
وعجز أكبر عن إخفاء الانكسار أمام الأبناء.
لهذا، لم يعد السؤال الحقيقي كيف تسير الرحبة؟
بل كيف صار العيد نفسه عبئًا على شعب بأكمله؟




