
بييروقراطية الإدارة تغذي اقتصاد الوسطاء
رغم مرور عقود على إرساء نظام الجماعات الترابية وتوسيع اختصاصات المجالس المنتخبة في تدبير خدمات القرب، لا يزال المواطن المغربي يصطدم يوميا بمظاهر البطء الإداري وتعقيد المساطر وضعف جودة الاستقبال داخل عدد من الإدارات والجماعات الترابية.
وبينما تتكرر الوعود بإطلاق “الشباك الوحيد” كحل سحري لتبسيط الخدمات، يظل السؤال مطروحا: هل يتعلق الأمر بإصلاح حقيقي أم مجرد شعار يتجدد كلما ارتفعت أصوات المواطنين احتجاجا على سوء الخدمات؟
خدمات القرب… أزمة تدبير لا أزمة إمكانيات
من المفترض أن تكون خدمات القرب عنوانا للإدارة الحديثة، باعتبارها تمس الحياة اليومية للمواطن، من رخص البناء والتعمير إلى الوثائق الإدارية المختلفة. غير أن الواقع يكشف استمرار مظاهر البيروقراطية، وتعقيد الإجراءات، وطول آجال معالجة الملفات، فضلا عن ضعف ظروف الاستقبال في عدد من المرافق.
ورغم ما تحقق من رقمنة في بعض القطاعات، فإن العديد من الجماعات لا تزال تشتغل بعقلية إدارية تقليدية تجعل المرتفق يدور بين المكاتب والأقسام بحثا عن توقيع أو ختم أو وثيقة إضافية، في مشهد يتناقض مع شعارات الإدارة الرقمية.
“الشباك الوحيد”… تجربة عربية سبقت الزمن
فكرة الشباك الوحيد ليست جديدة، بل أثبتت نجاعتها في عدد من الدول العربية منذ تسعينيات القرن الماضي. فقد اطلع وفد رسمي مغربي خلال زيارة لإحدى العواصم العربية على تجربة متقدمة في تدبير خدمات المواطنين عبر شباك موحد.
وتقوم التجربة على استقبال المرتفق داخل فضاء مهيأ ومريح، يحصل فيه على رقم إلكتروني يحدد نوع الخدمة المطلوبة، قبل أن يتولى موظف واحد مسح الملف رقميا، واستخلاص الرسوم القانونية، وتسليم وصل يحدد موعد تسليم الوثيقة، بينما تتكفل الإدارة داخليا بجميع الإجراءات دون أن يضطر المواطن إلى التنقل بين المكاتب.
أما الخدمات الأخرى، فكانت تنجز في الحين عبر الحاسوب، دون الحاجة إلى التنقل أو جمع التوقيعات أو البحث عن الأختام.
والمفارقة أن هذه التجربة تعود إلى أكثر من ثلاثة عقود، بينما لا تزال بعض الإدارات المغربية تناقش اليوم فقط كيفية تنزيل مفهوم الشباك الوحيد.
بين الرقمنة والواقع… المواطن ما زال ينتظر
دخل العالم مرحلة الذكاء الاصطناعي والخدمات الرقمية الذكية، وأصبحت الإدارات في كثير من الدول تعتمد على التطبيقات والمنصات الإلكترونية لإنجاز مختلف المعاملات عن بعد.
في المقابل، لا يزال عدد من المواطنين يواجهون طوابير الانتظار، وتعدد الشبابيك، وغموض المساطر، وتأجيل الملفات لأسباب شكلية، وهو ما يفتح الباب أمام ظواهر السمسرة والوساطة واستغلال حاجة المرتفق إلى قضاء مصالحه في آجال معقولة.
هل تغذي البيروقراطية اقتصاد الوسطاء؟
كلما تعقدت المساطر، ازدهرت مهنة “فكاكين الوحايل”، الذين يقدمون أنفسهم كوسطاء قادرين على تسريع الملفات مقابل مبالغ مالية، في مشهد يطرح أكثر من علامة استفهام حول أسباب تأخر الإصلاح الحقيقي لمنظومة خدمات القرب.
فوجود مساطر واضحة ومبسطة، وشباك موحد فعال، ورقمنة شاملة، من شأنه أن يقطع الطريق أمام كل أشكال الابتزاز والسمسرة، ويعيد الثقة بين الإدارة والمواطن.
الإصلاح الحقيقي يبدأ من خدمة المواطن
لم يعد المواطن يطالب بشعارات جديدة أو حملات تواصلية حول قرب الإدارة منه، بل ينتظر نتائج ملموسة تنعكس على جودة الخدمات وسرعة إنجاز الملفات واحترام كرامة المرتفق.
فالشباك الوحيد ليس مجرد نافذة داخل الإدارة، بل هو فلسفة جديدة في التدبير تقوم على تبسيط المساطر، وربط المسؤولية بالمحاسبة، واستثمار التكنولوجيا لخدمة المواطن، لا لإنتاج مزيد من التعقيدات.
ويبقى الرهان اليوم هو الانتقال من الخطابات إلى التنفيذ الفعلي، حتى تصبح الإدارة في خدمة المواطن كما ينص الدستور، لا أن يبقى المواطن رهينة البيروقراطية، وضحية التأجيل، وأسير مكاتب لا تنتهي.




