
بوليتيكو: حصار ترامب يصطدم بصمود طهران
لم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران تدور فقط في ميادين الحرب المباشرة أو حول البرنامج النووي، بل انتقلت إلى معركة أكثر تعقيدا: من يستطيع تحمل كلفة الحرب لفترة أطول؟ فبعد ستة أشهر من التصعيد، يراهن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على أن خنق الاقتصاد الإيراني بالعقوبات والحصار البحري سيجبر طهران في نهاية المطاف على رفع الراية البيضاء والقبول بشروط واشنطن.
غير أن المعطيات التي ترصدها أوساط أمريكية وخبراء في الشرق الأوسط تشير إلى أن هذا الرهان يواجه معضلة جوهرية: الاقتصاد الإيراني يتآكل، لكن النظام الإيراني لا يبدو قريبا من نقطة الانهيار السياسي.
وتكشف قراءة تقرير لمجلة «بوليتيكو» أن الاستراتيجية التي وعد بها وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، باعتبارها حربا اقتصادية مختلفة عن الحملات السابقة، لم تنتج حتى الآن التحول السياسي الذي تراهن عليه إدارة ترامب.
فالعقوبات شددت الخناق على النفط الإيراني، واستهدفت المشترين وشبكات النقل والتمويل، فيما فرض الحصار البحري قيودا إضافية على قدرة طهران على تصدير أهم مصادر دخلها.
والنتيجة الاقتصادية ثقيلة. فإيران تواجه تضخما سنويا مرتفعا، وأزمات في الوقود، وارتفاعا حادا في أسعار المواد الغذائية، إلى جانب تدهور اقتصادي كان قائما أصلا قبل الحرب. لكن المفارقة أن زيادة الألم الاقتصادي لا تعني بالضرورة اقتراب النظام من السقوط أو الاستسلام.
وهنا تكمن العقدة الأساسية في استراتيجية ترامب.
فالإدارة الأمريكية تنطلق من افتراض مفاده أن العقوبات، إذا بلغت مستوى كافيا من القسوة، ستخلق ضغطا داخليا يدفع القيادة الإيرانية إلى إعادة حساباتها والقبول بشروط واشنطن. لكن مسؤولين أمريكيين سابقين وخبراء في الملف الإيراني يشككون في هذا التصور، معتبرين أن طهران راكمت خلال عقود من العقوبات خبرة واسعة في الالتفاف عليها، وأن النظام ينظر إلى المواجهة الحالية باعتبارها صراعا على بقائه وليس مجرد خلاف سياسي يمكن إنهاؤه بتنازلات اقتصادية.
ولهذا السبب، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل تستطيع العقوبات إيلام إيران؟ فالجواب واضح، وهو نعم. وإنما: هل تستطيع تحويل الألم الاقتصادي إلى تنازل سياسي؟
حتى الآن، لا تبدو الإجابة محسومة
فإيران، بحسب هذا المنطق، قد تكون مستعدة لتحمل تكلفة اقتصادية واجتماعية هائلة مقابل رفض شروط تعتبرها تهديدا مباشرا لبنية النظام. وهذه ليست استراتيجية جديدة بالنسبة إلى طهران؛ فقد أظهرت خلال العقود الماضية قدرة على التكيف مع العقوبات، وتحويل جزء من كلفتها إلى المجتمع، والاستفادة من شبكات تجارية ومالية بديلة، فضلا عن توظيف خطاب «المقاومة» في مواجهة الضغط الخارجي.
وفي المقابل، تواجه واشنطن مشكلة مختلفة. فالحرب الاقتصادية لا تبقى محصورة داخل حدود إيران. ارتفاع أسعار النفط، واضطراب إمدادات الطاقة، وتزايد مخاطر التضخم، وارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية، كلها مؤشرات على أن تكلفة الضغط على إيران يمكن أن تعود إلى الاقتصاد الأمريكي نفسه.
وتزداد حساسية هذه المعادلة في الداخل الأمريكي مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي. فكلما طال أمد الحرب، أصبح على إدارة ترامب أن تبرر للناخب الأمريكي لماذا ينبغي تحمل ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف الاقتراض مقابل استمرار الضغط على طهران.
وهنا يظهر تناقض استراتيجي لافت: تريد واشنطن أن تجعل الاقتصاد الإيراني يدفع ثمن الحرب، لكنها في الوقت نفسه مطالبة بمنع الاقتصاد الأمريكي من دفع ثمنها.
وقد بدا هذا القلق واضحا في تصريحات نائب الرئيس جيه دي فانس، الذي أكد أن الحفاظ على أسعار النفط والغاز منخفضة للأمريكيين يمثل أولوية للإدارة. وهو ما يكشف أن هامش المناورة الأمريكية ليس مفتوحا بلا حدود، وأن استمرار الحرب قد يحول العامل الاقتصادي من أداة ضغط على إيران إلى عامل ضغط سياسي على البيت الأبيض.
أما طهران، فتراهن على عامل الزمن. وهي تدرك أن العقوبات والحصار قد يضاعفان أزماتها الداخلية، لكنها تراهن في المقابل على أن استمرار الحرب سيرفع كلفة المواجهة على الولايات المتحدة وحلفائها والأسواق العالمية، وأن الضغوط السياسية والانتخابية قد تدفع واشنطن في النهاية إلى البحث عن مخرج تفاوضي.
ومن هذه الزاوية، يصبح الزمن نفسه سلاحا في المواجهة
ترامب يريد نتيجة سريعة نسبيا: انهيار اقتصادي يفضي إلى تنازلات سياسية. أما إيران فتبدو مستعدة للرهان على سيناريو معاكس: تحمل أكبر قدر ممكن من الضغط إلى أن تصبح كلفة استمرار الحرب بالنسبة إلى واشنطن أعلى من المكاسب التي يمكن تحقيقها.
وتتضاعف أهمية هذا الرهان مع استمرار أزمة مضيق هرمز، الذي يشكل أحد أهم مفاتيح سوق الطاقة العالمية. فكلما طال أمد التوتر، أصبح الاقتصاد العالمي أكثر عرضة لصدمات العرض وارتفاع أسعار الطاقة، وهو ما قد يفرض على الإدارة الأمريكية موازنة حساباتها بين إضعاف إيران والحفاظ على استقرار الاقتصاد العالمي.
وفي هذا السياق، تبدو الخيارات التي تملكها واشنطن محدودة بين التصعيد والمساومة. فهي تستطيع توسيع العقوبات الثانوية، والضغط على المؤسسات المالية الصينية التي تتعامل مع النفط الإيراني، وتشديد ملاحقة الأصول الإيرانية، لكنها في كل مرة ترفع مستوى الضغط تقترب أيضا من توسيع نطاق المواجهة الاقتصادية الدولية.
كما أن الانتقال إلى خيارات عسكرية أكثر مباشرة، ولا سيما نشر قوات برية أمريكية داخل إيران، يبدو خيارا بالغ الكلفة سياسيا وعسكريا، الأمر الذي يجعل الحرب الاقتصادية، رغم محدوديتها، البديل الأقل كلفة بالنسبة إلى واشنطن.
لكن المشكلة أن العقوبات قد تكون فعالة في إضعاف الاقتصاد أكثر مما هي فعالة في إسقاط الأنظمة
وهذه خلاصة مهمة في فهم التجربة الإيرانية. فالنظام قد يواجه تضخما هائلا، ونقصا في السلع، وتراجعا في القدرة الشرائية واضطرابات اجتماعية، لكنه يستطيع مع ذلك الاستمرار إذا تمكن من الحفاظ على مؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية ومصادر التمويل الأساسية. بل إن الضغط الخارجي قد يمنحه أحيانا فرصة لإعادة إنتاج خطاب التعبئة الوطنية وتصوير الصراع باعتباره مواجهة بين الدولة وخصم خارجي.
في المقابل، لا يعني ذلك أن إيران تملك قدرة غير محدودة على التحمل. فالضغوط الاقتصادية المتراكمة تضعف المجتمع، وتستنزف الموارد، وتعمق التناقضات الداخلية، وتقلص قدرة الدولة على إدارة الأزمات. ولذلك فإن الخطر الحقيقي على طهران قد لا يكون في انهيار اقتصادي مفاجئ، وإنما في تآكل طويل الأمد يضعف قدرة النظام على التحكم في تداعياته الاجتماعية والسياسية.
ومن هنا، فإن الرهان الأمريكي على «نقطة الانهيار» يواجه مشكلة تعريفية قبل أن تكون اقتصادية: متى يصبح الألم الاقتصادي أكبر من قدرة النظام على احتماله؟ لا توجد إجابة ثابتة عن هذا السؤال، لأن الأنظمة السياسية لا تنهار بالضرورة عندما تصل المؤشرات الاقتصادية إلى مستويات قياسية، وإنما عندما يتزامن الضغط الاقتصادي مع انقسام داخل النخبة الحاكمة، أو تراجع قدرة مؤسسات الدولة على السيطرة، أو اتساع الاحتجاجات إلى درجة يصعب احتواؤها.
حتى الآن، لا يبدو أن هذه الشروط قد اجتمعت بصورة حاسمة
الخلاصة السياسية الأولى
المواجهة الحالية تكشف حدود «سلاح العقوبات» أكثر مما تكشف قوة الحصار. فالولايات المتحدة تستطيع رفع كلفة استمرار الحرب على إيران، لكنها لا تستطيع ضمان أن تتحول هذه الكلفة إلى استسلام سياسي. وإذا كان النظام الإيراني مستعدا لتحميل المجتمع جزءا كبيرا من ثمن المواجهة، فإن استراتيجية الخنق الاقتصادي قد تتحول إلى حرب استنزاف طويلة، لا إلى ضربة قاضية سريعة.
الخلاصة السياسية الثانية
المفارقة الأكبر أن الزمن قد يعمل ضد الطرف الذي يملك الاقتصاد الأقوى. فإيران تستطيع الرهان على الصمود، بينما يحتاج ترامب إلى إثبات نتائج ملموسة أمام ناخبين يتأثرون بأسعار الطاقة والتضخم والأسواق. ولذلك فإن المعركة المقبلة لن تكون فقط حول قدرة إيران على تحمل العقوبات، وإنما حول قدرة ترامب على تحمل كلفتها السياسية والاقتصادية داخل الولايات المتحدة. وإذا لم تنجح واشنطن في تحويل الضغط الاقتصادي إلى مكسب تفاوضي واضح، فقد تجد نفسها أمام حرب استنزاف تكون فيها طهران أضعف اقتصاديا، لكن الولايات المتحدة أقل قدرة على مواصلة التصعيد بلا ثمن.





