
بين حليفي الأمس.. الحرب الانتخابية تفتح دفاتر الحكومة
لم تعد المواجهة الانتخابية بين حزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الأصالة والمعاصرة مجرد سباق على المرشحين والتزكيات، بل تحولت، مع اقتراب اقتراع 23 شتنبر، إلى مواجهة مفتوحة حول النفوذ والحصيلة وتدبير المال العام وحدود المنافسة داخل الأغلبية نفسها.
فالحليفان اللذان تقاسما تدبير الحكومة خلال الولاية المنتهية، أصبحا يتبادلان اتهامات ثقيلة، تبدأ من استقطاب المنتخبين وتمر عبر الحديث عن الضغط والترهيب والترغيب، ولا تنتهي عند ملفات دعم استيراد المواشي وإنفاق 280 مليار درهم لحماية القدرة الشرائية، وصولا إلى التلميح بتضارب المصالح.
وإذا كان الخلاف قد انطلق من ظاهرة «الترحال السياسي»، فإن تطوره يكشف أن المعركة الحقيقية تتجاوز أسماء المرشحين إلى صراع مبكر على موقع كل حزب داخل السلطة وعلى شكل التحالفات التي قد تولد بعد الانتخابات.
من استقطاب المنتخبين إلى كسر قواعد الهدنة
كان انتقال عدد من البرلمانيين والمنتخبين من التجمع الوطني للأحرار إلى الأصالة والمعاصرة الشرارة الأولى التي أخرجت التوتر بين الحزبين إلى العلن.
وفي 25 غشت، تحدث المكتب السياسي للتجمع عن ممارسات اعتبرها منافية لأخلاقيات المنافسة السياسية، مشيرا إلى تعرض برلمانيين ومنتخبين ومسؤولين ترابيين لـ«استمالات وضغوط» بهدف دفعهم إلى خوض الانتخابات بألوان حزبية أخرى.
لكن «البام» لم يتأخر في الرد. ففي اليوم الموالي، رفض الحزب اتهامات الضغط والإكراه، وتمسك بحق أي منتخب أو سياسي في اختيار انتمائه الحزبي، قبل أن يفتح بدوره دفتر انتخابات 2021، مذكرا بأن «الأحرار» سبق أن رشحوا عددا من البرلمانيين المنتمين إلى أحزاب أخرى، بينهم ستة برلمانيين من الأصالة والمعاصرة.
وهكذا انتقل النقاش من سؤال: من غادر؟ إلى سؤال آخر أكثر إحراجا: من بدأ لعبة استقطاب المنتخبين، ومن يملك الحق في تقديم نفسه ضحية لها؟
تسريب الطالبي العلمي.. حين خرج الخلاف من الغرف المغلقة
زاد التسريب الصوتي لرشيد الطالبي العلمي، رئيس مجلس النواب وعضو المكتب السياسي للتجمع الوطني للأحرار، من حدة المواجهة.
ففي التسجيل، وجه الطالبي العلمي انتقادات مباشرة إلى فوزي لقجع، القيادي في الأصالة والمعاصرة، متحدثا عن استعمال «الترهيب والترغيب» والوعود لاستقطاب المنتخبين،
كما أعلن رفضه تولي لقجع وزارة الاقتصاد والمالية في حكومة يقودها التجمع مستقبلا، وتم تداول على نطاق واسع قولا لرئيس البرلمان ” والله لشم وزارة المالية.. وزارة المالية من نصيب لالى نادية فتاح”.
وبذلك لم يعد الصراع يدور فقط حول مرشحين انتقلوا من حزب إلى آخر، بل وصل إلى توزيع الحقائب الوزارية وموازين القوة داخل الحكومة المقبلة.
ولم يخل خطاب الطالبي العلمي من انتقاد لما اعتبره محاولة لإسقاط منطق كرة القدم وقوانين «الفيفا» على العمل الحزبي، في إشارة واضحة إلى الحضور المتزايد للقجع في المشهد السياسي والتنفيذي.
«البام» يستدعي ذاكرة 2021
رد الأصالة والمعاصرة لم يكن دفاعا عن المنتقلين فقط، بل محاولة لإعادة وضع الخلاف داخل سياقه التاريخي.
فالحزب اعتبر أن الانتماء السياسي قرار شخصي ودستوري، ورفض أن يتلقى دروسا في احترام القانون أو قواعد العمل المؤسساتي من أي جهة.
ثم انتقل إلى الهجوم المضاد، مستحضرا انتخابات 2021، حين استفاد التجمع الوطني للأحرار من ترشيح برلمانيين كانوا ينتمون إلى أحزاب أخرى.
وفي الميدان، حاول عدد من الوافدين الجدد على «البام» تقديم روايتهم الخاصة. فزينب السيمو تحدثت عن قناعة سياسية وشخصية وراء قرارها، بينما ربط مروان شباعتو مغادرته للتجمع بما اعتبره ضعفا في الاهتمام بميدلت، وقدمت منال بادل بدورها مبررات انتقالها وانتقاداتها لتجربتها السابقة.
وهكذا أصبح كل انتقال انتخابي مادة لمعركة روايات: الأحرار يتحدثون عن الاستقطاب، والمنتقلون عن القناعة، والبام عن حرية الاختيار.
من «الميركاتو» إلى «الفراقشية»
غير أن المواجهة لم تبقَ انتخابية. سرعان ما انتقلت إلى الملفات التي كانت، إلى وقت قريب، جزءا من الحصيلة المشتركة للحكومة.
ففوزي لقجع، الذي وجد نفسه في قلب اتهامات مرتبطة باستقطاب المنتخبين، رد من موقعه الحكومي على منتقديه، وربط الجدل حول استيراد الأغنام بتدبير ملف الأضاحي، مستخدما خطابا شديد اللهجة ضد من وصفهم بأنهم تسببوا في تحويل فرحة العيد إلى قلق لدى الأسر المغربية.
وبالتزامن، دخل محمد أوجار، القيادي في التجمع، على الخط، في سياق السجال حول ما أصبح يعرف إعلاميا بملف «الفراقشية»، داعيا إلى النظر في هوية المحيطين بمن يطلقون هذه الاتهامات.
لكن خلف هذا السجال الكلامي كان يوجد ملف أكثر حساسية: الدعم العمومي الموجه لاستيراد المواشي.
لجنة تقصي الحقائق.. الشرخ داخل الأغلبية
بلغ الخلاف مستوى مؤسساتيا عندما رفض فريق التجمع الوطني للأحرار الانخراط في مبادرة المعارضة الرامية إلى تشكيل لجنة برلمانية لتقصي الحقائق بشأن دعم استيراد المواشي.
في المقابل، أيد الأصالة والمعاصرة والاستقلال، وهما حزبا الأغلبية، المبادرة بعد التشاور مع المعارضة.
كان المشهد لافتا: أحزاب تشكل أغلبية حكومية تقف في مواقع مختلفة أمام قضية ترتبط مباشرة بتدبير حكومي مشترك.
ثم جاء رد عزيز أخنوش، في 6 شتنبر، ليزيد المشهد تعقيدا، بعدما وصف قضية لجنة تقصي الحقائق بأنها «مسرحية انتخابية»، موجها في الوقت نفسه عتابا مباشراً إلى رئيس فريق «البام» أحمد التويزي، ومتسائلا عن معنى الوفاء بين الحلفاء.
المنصوري تفتح ملف المستوردين
في الجهة المقابلة، رفعت فاطمة الزهراء المنصوري سقف المواجهة، عندما اتهمت التجمع بتسريب معلومات مسبقة بشأن دعم استيراد الأضاحي لفائدة مستوردين ذوي نفوذ، بما سمح لهم، وفق روايتها، بالتحرك قبل الإعلان الرسمي عن الدعم.
ولم تكن المقارنة التي قدمتها المنصوري مع برنامج دعم السكن عابرة؛ فهي وضعت الشفافية وتكافؤ الفرص وتدبير المال العام في قلب المواجهة بين الحزبين.
وبعد ذلك، أقر أخنوش بإمكانية وقوع خروقات فردية في ملف استيراد الأغنام، ليظل الملف مفتوحا على مزيد من الأسئلة السياسية والانتخابية.
280 مليارا.. حين تحولت الحصيلة إلى سلاح انتخابي
وفي الأيام الأخيرة، انتقل الصراع إلى الرقم الأكبر: 280 مليار درهم.
ففي 7 شتنبر، انتقد لقجع طريقة إنفاق هذا المبلغ خلال الولاية الحكومية بهدف حماية القدرة الشرائية، معتبرا أن حجم الإنفاق لم يترجم، في نظره، إلى أثر ملموس يشعر به المواطن، قبل أن يعرض ما اعتبره تصور «البام» البديل.
المفارقة أن الرجل الذي كان جزءا من الفريق الحكومي نفسه أصبح يستخدم حصيلة التدبير المالي كسلاح انتخابي ضد شريكه السابق في الأغلبية.
وهنا لم يعد السؤال فقط: من أنفق؟ بل تطور ليصبح: من أنفق بشكل أفضل؟ ومن يستطيع إقناع الناخب بأن لديه وصفة مختلفة؟ ما يزيد من ضبابية المشهد السياسي، وبزيد من منسوب اللاثقة.
«تضارب المصالح» يدخل المعركة
وفي الاتجاه نفسه، دافعت المنصوري عن حصيلة وزراء الأصالة والمعاصرة داخل الحكومة، ووصفتها بأنها حصيلة «غير مشوبة بتضارب المصالح»، في رسالة سياسية بدت موجهة إلى طريقة تدبير التجمع لبعض القطاعات والمشاريع، وكأنها تميز داخل من قدمت نفسها طيلة مدة ولايتها أغلبية منسجمة ومتضامنة ومتحملة المسؤولية السياسية لحصيلتها.
كما نسبت جانباً من الإصلاحات والإنجازات الحكومية إلى الموارد التي وفرها لقجع من موقعه وزيرا منتدبا مكلفا بالميزانية.
وبذلك أصبح الحليفان يتنافسان ليس فقط على المقاعد، وإنما على ملكية الحصيلة الحكومية نفسها: من صنع ماذا؟ ومن يتحمل مسؤولية الإخفاق؟ ومن يحق له تقديم نفسه بديلا؟
أغلبية واحدة.. وروايتان للحكومة
تكشف هذه الحرب الكلامية والسياسية أن «الميركاتو الانتخابي» لم يكن سوى الوجه الأول لصراع أعمق.
فحين يتبادل حزبان كانا في الحكومة نفسها الاتهامات حول استقطاب المنتخبين، وحين يتحول ملف حكومي إلى مادة للصراع بين مكونات الأغلبية، وحين يصبح الإنفاق العمومي وتضارب المصالح والحصيلة الاقتصادية جزءا من الخطاب الانتخابي المتبادل، فإن الأمر يتجاوز مجرد خلاف انتخابي عابر.
إنها معركة على ما بعد 23 شتنبر.
فكل طرف يحاول، قبل ظهور النتائج، أن يثبت أنه الأقدر على قيادة المرحلة المقبلة، وأن يرسم لنفسه موقعا أقوى داخل مفاوضات تشكيل الحكومة.
وهكذا، قد تكون الانتخابات المقبلة بصدد إنتاج تحالفات جديدة، لكن ما تكشفه الحملة حتى الآن أن أول معركة لتشكيل الحكومة المقبلة بدأت قبل أن تفتح صناديق الاقتراع، وهنا تكمن مفارقة انتخابات على الطريقة المغربية.





