
حين تصبح الدولة رهينةً للمعركة السياسية
تحرير: جيهان مشكور
في السياسة، قد تكون الانتخابات موسماً للحسابات، لكنها ليست موسماً لتعليق مسؤولية الدولة، ومن هنا جاء رد محمد أوجار، عضو المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار، على غياب عدد من وزراء الأصالة والمعاصرة عن اجتماع مجلس الحكومة المنعقد الخميس، بالتزامن مع انطلاق الحملة الانتخابية، اختار أوجار رفع السقف: الحكومة، كما قال، مطالبة بالاستمرار في العمل «إلى آخر دقيقة من الزمن الدستوري»، لأن مسؤولية الدولة، في نظره، ليست موسمية.
يبدو الكلام منطقياً، بل تكاد لا توجد حجة سياسية لمعارضته من حيث المبدأ، فالدستور يجعل الوزراء مسؤولين عن تنفيذ السياسة الحكومية «وفي إطار التضامن الحكومي»، كما يحدد لمجلس الحكومة اختصاصات مرتبطة بالسياسات العمومية والقطاعية والنصوص التشريعية والتنظيمية، لكن المشكلة تبدأ حين يصبح الدفاع عن استمرار العمل المؤسساتي نفسه جزءاً من المبارزة الانتخابية.
بين واجب الدولة وحسابات الأحزاب
فتح غياب فاطمة الزهراء المنصوري ومحمد المهدي بنسعيد ويونس السكوري عن الاجتماع، في لحظة تتصاعد فيها المنافسة بين مكونات الأغلبية، الباب أمام سؤال أكبر من مجرد الحضور والغياب: هل ما تزال الحكومة تتحرك كفريق واحد، أم أن منطق الحملة الانتخابية بدأ يفرض إيقاعه على العمل التنفيذي؟
و يقدم أوجار رواية واضحة: الانتخابات لا تعفي الوزير من مسؤوليته، وهذه الحجة تضع «البام» أمام اختبار سياسي، لكنها في الوقت نفسه تضع «الأحرار» أمام الاختبار ذاته، فإذا كانت المسؤولية الحكومية لا تتوقف بسبب الانتخابات، فإن معيار الحكم ينبغي أن يكون واحداً على الجميع، لا أن يتحول حضور مجلس الحكومة إلى ورقة في الصراع بين الأحزاب.
حصيلة اجتماعية وسط اقتصاد مثقل بالانتظارات
الدفاع عن استمرار الحكومة لا يمكن أن ينفصل عن سؤال الحصيلة، فقد توسع برنامج الدعم الاجتماعي المباشر ليشمل نحو 4 ملايين أسرة وحوالي 12 مليون مستفيد، فيما بلغ عدد المستفيدين من «أمو تضامن» نحو 11 مليون مواطن، وفق معطيات حكومية حديثة.
لكن الأرقام الاجتماعية لا تسمح وحدها بإعلان الانتصار، فالمندوبية السامية للتخطيط سجلت في 2025 خلق 193 ألف منصب شغل، مقابل استمرار فقدان الوظائف في الفلاحة بـ41 ألف منصب، بينما ظل عدد العاطلين عند 1.621 مليون شخص، والأكثر دلالة أن بطالة الشباب بين 15 و24 سنة بلغت 37.2%، وارتفع الشغل الناقص إلى 10.9%.
وهنا تحديداً يصبح خطاب الحصيلة أكثر تعقيداً: الدولة الاجتماعية تتوسع، لكن سوق الشغل لا يزال عاجزاً عن إنتاج الأمان الاقتصادي بالسرعة نفسها.
المعركة الحقيقية ليست داخل قاعة الحكومة
لذلك، فإن جوهر الجدل لا ينبغي أن يتوقف عند من حضر ومن غاب.،القضية الأهم هي ما إذا كانت الحكومة قادرة، في آخر أيام ولايتها، على الفصل بين واجبها المؤسساتي وبين حاجتها إلى تسجيل النقاط انتخابياً.
قد يكون أوجار محقاً حين يقول إن الدولة لا تتوقف يوم تبدأ الحملة.،لكن الامتحان الحقيقي يبدأ من هنا: “هل تستطيع الحكومة أن تثبت أن مؤسساتها تعمل من أجل المواطنين حتى عندما تصبح أصوات الناخبين هي الموضوع الأول على أجندة الأحزاب؟”
فالمواطن الذي يواجه البطالة وغلاء المعيشة وضغط الخدمات العمومية لا يعنيه كثيراً صراع «الحمامة» و«الجرار».. ما يعنيه هو أن تستمر الدولة في العمل، وأن تتحول الوعود الانتخابية إلى سياسات قابلة للقياس، لا إلى شعارات تُرفع في نهاية الولاية بحثاً عن أصوات جديدة.





