
حين تتحول الاتهامات بتضارب المصالح وتدبير المال العام من خصومة بين المعارضة والأغلبية إلى سجال بين قيادات من داخل الأغلبية الحكومية نفسها، فإن الأمر يتجاوز حدود المناكفة الانتخابية، ويصبح جديرا بفتح تحقيق جدي ومستقل يكشف أين تنتهي المنافسة السياسية وأين تبدأ المسؤولية القانونية.
فالتصريحات المنسوبة إلى هشام المهاجري، القيادي في حزب الأصالة والمعاصرة، والتي وجه فيها اتهامات مباشرة إلى محمد شوكي، القيادي في حزب التجمع الوطني للأحرار، وإلى رئيس الحكومة عزيز أخنوش، تتضمن معطيات مالية وقانونية خطيرة، من بينها الحديث عن تعديل مرسوم، وتمويل جماعة ترابية، وشركة مرتبطة بأحد الفاعلين السياسيين، وفارق في أسعار الفائدة.
وبصرف النظر عن صحة هذه الادعاءات من عدمها، فإن خطورتها الأساسية تكمن في أنها صادرة عن شخصية سياسية من داخل الأغلبية، وتطال مسؤولين في قلب المشهد الحكومي والحزبي. ولذلك فإن أفضل رد عليها ليس النفي السياسي ولا تبادل الاتهامات، وإنما إخضاعها للتحقيق والتدقيق وكشف الوثائق للرأي العام.
اقرأ أيضا…
اتهام يتجاوز الحسابات الانتخابية
المهاجري اتهم محمد شوكي بأنه من أبرز المستفيدين، بحسب تعبيره، من تضارب المصالح، وربط ذلك بعملية تمويل قال إنها همّت جماعة أكادير التي يرأسها عزيز أخنوش.
وحسب الرواية التي قدمها المهاجري في مقاطع صوتية، فإن الحكومة قامت، بعد تشكيلها، بتعديل مرسوم يهم طريقة لجوء الجماعات الترابية إلى الاقتراض، بعدما كان صندوق التجهيز الجماعي يمثل قناة أساسية لهذا التمويل.
ويزعم المهاجري أن التعديل فتح المجال أمام الجماعات للحصول على تمويل من شركات خاصة، وأن شركة قال إنها مرتبطة بمحمد شوكي استفادت من هذا الإطار، قبل أن تقوم، وفق روايته، بإقراض جماعة أكادير مبلغ 50 مليون درهم.
فارق الفائدة في قلب الاتهام
الأكثر إثارة في رواية المهاجري هو حديثه عن فارق في سعر الفائدة.
فبحسب ما أورده، حصلت الشركة المعنية على التمويل بسعر فائدة في حدود 3.5 في المائة، قبل أن تعيد إقراض جماعة أكادير بنسبة 5 في المائة، معتبراً أن فارق النسبة يمثل موضع شبهة ويطرح سؤال تضارب المصالح والاستفادة الاقتصادية من العملية.
لكن هذه المعطيات، كما وردت في المقاطع المتاحة، تحتاج إلى ما هو أكثر من التصريح السياسي: إلى تحديد اسم الشركة، وطبيعة التمويل، والجهة المقرضة، والعقود المبرمة، والأساس القانوني الذي استند إليه الاقتراض، وكيفية اختيار المؤسسة الممولة، ومن اتخذ القرار داخل الجماعة.
المرسوم.. الحلقة التي تستدعي التدقيق
إذا كان صحيحاً أن مرسوماً تغير بما سمح بانتقال الجماعات من الاقتراض عبر مؤسسة عمومية إلى الاقتراض من شركات خاصة، فإن السؤال لا يتعلق فقط بمن استفاد من العملية، وإنما أيضاً بكيفية إعداد التعديل وأهدافه والجهات التي استفادت منه فعلياً.
أما إذا كانت الرواية غير دقيقة أو تستند إلى تأويل سياسي لا يطابق النصوص القانونية، فإن نشر الحقيقة والوثائق يظل الوسيلة الأفضل لحسم الجدل.
وهنا تحديداً تظهر الحاجة إلى التحقيق، لأن النقاش لا ينبغي أن يبقى رهين التسجيلات الصوتية والردود الحزبية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالمال العام وقرارات صادرة عن مؤسسات الدولة والجماعات الترابية.
عندما تأتي الاتهامات من داخل الأغلبية
الأخطر سياسياً أن هذه الاتهامات لا تأتي هذه المرة من خصم سياسي خارج دائرة الحكم، وإنما من قيادي في حزب يشكل جزءاً من الأغلبية الحكومية.
وهذا يجعل القضية أكبر من مجرد اشتباك انتخابي بين حزبي الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار، خصوصاً أن الاتهامات تمس مسؤولين سياسيين بارزين، وتربط بين القرار العمومي والمصالح الاقتصادية، وتضع تدبير المال العام في قلب معركة انتخابية محتدمة.
وفي مثل هذه الحالات، لا يكفي أن يقول طرف إن خصمه يبالغ، ولا أن يرد الطرف الآخر بأن الكلام مجرد حملة انتخابية. المطلوب هو الوثيقة، ثم التحقيق، ثم المسؤولية.
المسؤولية والمحاسبة ليستا شعارا
الدستور المغربي جعل ربط المسؤولية بالمحاسبة مبدأً مركزياً في تدبير الشأن العام. ولذلك فإن أي اتهامات جدية تتعلق باستعمال النفوذ أو تضارب المصالح أو الاستفادة غير المشروعة من المال العام لا ينبغي أن تُدفن تحت ضجيج الحملة الانتخابية.
فإذا ثبت أن ما جرى تداوله مجرد اتهامات لا أساس لها، فمن حق المتهمين أن تظهر الحقيقة وأن تتوقف الحملة ضدهم.
أما إذا أثبت التحقيق صحة ما يروج، فإن المحاسبة تصبح واجباً لا خياراً سياسياً.
من حق المغاربة أن يعرفوا
المغاربة لا يحتاجون إلى مزيد من الاتهامات المتبادلة بين السياسيين بقدر ما يحتاجون إلى معرفة الحقيقة.
ومن حق المواطن أن يعرف: هل وقع تعديل قانوني أو تنظيمي؟ من اقترحه؟ لماذا عُدّل؟ من استفاد منه؟ ما طبيعة التمويل؟ من وقّع العقود؟ وهل استفاد أي مسؤول أو قريب أو جهة مرتبطة به من العملية؟
هذه أسئلة لا يمكن حسمها بالبلاغات الحزبية أو بالمزايدات الانتخابية.
وإذا كانت قيادات من داخل الأغلبية نفسها تطرح مثل هذه الاتهامات، فإن فتح تحقيق مؤسساتي شفاف سيكون أفضل خدمة للحكومة والأحزاب المعنية وللمواطنين معاً.
فالدولة التي تربط المسؤولية بالمحاسبة لا تخشى التحقيق، والسياسي الذي لا يخشى المساءلة لا يحتاج إلى حماية سياسية من الأسئلة.
وفي النهاية، من حق الشعب المغربي أن يرى مسؤوليه يُحاسَبون إذا ثبتت في حقهم المخالفات التي تروجها شخصيات قيادية من داخل الأغلبية نفسها، كما أن من حق أي مسؤول اتُّهم دون دليل أن تظهر براءته كاملة أمام الرأي العام. وبين الاتهام والإدانة، تبقى الكلمة الأخيرة للتحقيق والقانون.





