
أقصبي: صنع في المغرب.. لكن لمن تعود القيمة؟ 4/2
قد يكون المغرب من أكثر البلدان التي تتقن "كتابة الاستراتيجيات، وأقلها قدرة على تحويلها إلى نتائج"، فمنذ أكثر من عقدين، تتوالى التقارير والتصورات: تقرير الخمسينية، واستشراف المغرب 2030، ثم النموذج التنموي الجديد، وبينها عشرات الخطط واللجان والدراسات.. تتغير الحكومات وتتغير العناوين، لكن السؤال الأكثر إزعاجاً يبقى نفسه: "ماذا تغيّر فعلاً في بنية الاقتصاد المغربي؟"
هل صنع المغرب صناعة أم استقبل مصانع؟
أعد الحوار مكتوبا: جيهان مشكور
إذا كانت السيارات والطائرات والمكوّنات الإلكترونية التي تخرج من المصانع المغربية تكفي لإعلان التحول إلى بلد صناعي، فإن أرقام الصادرات تمنح الخطاب الرسمي كل ما يحتاجه للاحتفال، لكن الاقتصادي نجيب أقصبي في حواره مع جريدة «الشعاع الجديد»، عبر الفيديو، وامتداداً للحلقة الأولى حول حصيلة 25 سنة من الاستراتيجيات والنمو المتعثر، يضع هذا التحول أمام امتحان أكثر صعوبة: “ليس كم نُنتج ونُصدّر، بل ماذا أصبحنا نملك بعد كل هذا التصنيع؟”
رقم الصادرات لا يحكي القصة كلها
بالنسبة إلى الخبير الاقتصادي نجيب أقصبي، لا يمكن قراءة ارتفاع الصادرات باعتباره دليلاً كافياً على نجاح التصنيع، لأن قيمة ما يُصدّر لا تعادل بالضرورة حجم الثروة التي تُخلق داخل الاقتصاد الوطني، ويقدم قطاع السيارات المثال الأكثر وضوحاً: فقد حافظ سنة 2024 على صدارة القطاعات المصدرة، بقيمة بلغت نحو 157.6 مليار درهم، لكن خلف هذا الرقم اللامع يختبئ السؤال الأصعب: كم من هذه القيمة أُنتج فعلاً داخل المغرب، وكم منها لا يعدو أن يكون قيمة عابرة لخطوط الإنتاج قبل أن تعود إلى الخارج؟
من 14% إلى 23%.. أين انتهى الوعد؟
وتزداد المفارقة وضوحاً حين يوضع الطموح الصناعي الرسمي أمام النتائج، فقد استهدفت خطة التسريع الصناعي، التي أطلقت سنة 2014، رفع مساهمة الصناعة من نحو 14% إلى 23% وخلق حوالي 500 ألف منصب شغل، مع رهان واضح على الاستثمار الأجنبي وتجديد النسيج الصناعي الوطني.
لكن مساهمة الصناعات التحويلية، وفق معطيات المندوبية السامية للتخطيط، ظلت في حدود 14.5% من الناتج الداخلي الإجمالي سنة 2023.
هذه الأرقام لا تلغي ما تحقق، لكنها تطرح سؤالاً يصعب تجاهله في ضوء نقد أقصبي للاستراتيجيات المغربية: هل نجحنا في بناء العمق الصناعي بالسرعة التي نجحنا بها في جذب المشاريع؟
الاستثمار الأجنبي.. رافعة أم سقف؟
في قراءة أقصبي، لا تكمن المشكلة في استقطاب الاستثمار الأجنبي، بل في تحوله الى غاية في حد ذاته.. فالمصنع لا يصبح رافعة للتحول الصناعي بمجرد وجوده فوق التراب الوطني؛ بل تظهر قيمته الحقيقية حين يتحول إلى مدرسة للكفاءات، وشبكة للموردين المحليين، وقناة لنقل التكنولوجيا، ومحفز للبحث والتطوير، ومجال لتراكم الخبرة داخل الشركات المغربية.
وهنا تبرز المقارنة مع النموذج الصيني، الذي لم يراهن فقط على استقبال المصنع، بل على استغلال وجوده لبناء قدرة وطنية تتجاوزه.. وهنا تحديداً تكمن الفجوة بين استقطاب الاستثمار وبناء السيادة الصناعية.
حين يصبح الاستقطاب بداية السؤال لا نهايته
من هنا ينتقل النقاش إلى السؤال الأكثر إزعاجاً: إذا كان المغرب قد وفر الأرض والبنية التحتية والحوافز واستقطب رأس المال العالمي، فلماذا لم يتحول القطاع الخاص الوطني بالقدر نفسه إلى قوة صناعية قادرة على المخاطرة والابتكار وامتلاك جزء أكبر من القيمة؟
فالصناعة لا تُقاس فقط بعدد السيارات الخارجة من خطوط الإنتاج، بل أيضاً بما يبقى بعد خروجها.
بهذه الفكرة يفتح أقصبي الباب للحلقة المقبلة: كيف تشكلت نخبة اقتصادية راكمت الثروة، لكنها لم تراكم بالقدر نفسه القدرة على المخاطرة والابتكار؟ وكيف يمكن أن يتحول تداخل المال والنفوذ من محرك للاقتصاد إلى عامل مؤثر في اتجاه القرار نفسه؟
يتبع…






