الرئسيةسياسة

اليمين الإسباني يصعّد ضد سانشيز بورقة المغرب

لم تعد أزمة سبتة مجرد ملف أمني أو هجرة غير نظامية بين إسبانيا والمغرب، بل تحولت سريعا إلى ورقة في المعركة السياسية الداخلية الإسبانية، في ظل مناخ انتخابي ومزايدات متصاعدة تقودها المعارضة اليمينية ضد حكومة الاشتراكي بيدرو سانشيز.

وفي هذا السياق، وجد رئيس الحكومة الإسبانية نفسه مضطراً إلى الدفاع عن روايته بشأن أحداث تدفق المهاجرين إلى سبتة، في مواجهة اتهامات وتلميحات من خصومه السياسيين، وفي مقدمتهم الحزب الشعبي وزعيمه ألبرتو نونييث فيخو، بأن مدريد تتجنب تحميل الرباط مسؤولية ما جرى بسبب ضغوط أو معلومات حساسة مرتبطة باختراق هاتف سانشيز.

المعارضة تفتح جبهة المغرب

وتستثمر المعارضة اليمينية الأزمة لتصعيد الضغط على حكومة سانشيز، عبر ربط طريقة تعاملها مع الرباط بما تعتبره تنازلات أو غموضاً في السياسة الخارجية.

ومن بين أكثر الروايات إثارة للجدل، الحديث عن تعرض رئيس الحكومة للابتزاز بعد اختراق هاتفه، وهي رواية تحاول المعارضة توظيفها لتفسير عدم توجيه سانشيز اتهاماً مباشراً للمغرب بالوقوف وراء موجة الهجرة التي شهدتها سبتة.

لكن سانشيز رفض هذه القراءة، معتبراً أن ما يجري تداوله لا يستند إلى وقائع ثابتة، وإنما إلى “معلومات كاذبة” يجري توظيفها في النقاش السياسي.

سانشيز: الواقع ليس مسلسلا على نتفليكس

اختار رئيس الحكومة الرد بسخرية واضحة على هذه الروايات، قائلاً في برنامج تلفزيوني مساء الاثنين إن العلاقات بين الدول، وخصوصاً بين البلدان المتجاورة، ينبغي أن تقوم على الاحترام والوقائع، لا على الأوهام والاحتقار.

وأضاف أن القصص المتداولة بشأن هاتفه المحمول وغيره ربما تصلح لأن تكون مادة لمسلسل على نتفليكس، لكن السياسة الخارجية، في نظره، لا يمكن أن تبنى على روايات غير مثبتة.

والرسالة التي أراد سانشيز إيصالها تبدو واضحة: لا يمكن تحويل الشكوك والفرضيات إلى اتهامات رسمية، فقط لأنها تخدم المعركة السياسية الداخلية.

لا تبرئة للرباط.. ولا اتهام بلا دليل

وفي الوقت نفسه، حرص سانشيز على ألا يبدو وكأنه يمنح المغرب صك براءة نهائيا.

فقد شدد على أنه لم يقل في أي وقت إن إسبانيا لن تكون حازمة في ردها إذا ثبت أن المغرب، أو النظام المغربي، كان وراء أحداث 30 و31 يوليوز.

غير أنه أضاف أن المعطيات المتوفرة حتى الآن لا تتضمن دليلاً راسخاً يثبت مسؤولية الرباط عن موجة الهجرة التي واجهتها إسبانيا في 31 يوليوز.

وبذلك حاول رئيس الحكومة الإمساك بالعصا من الوسط: ترك باب التصعيد مفتوحاً إذا ظهرت أدلة، لكنه رفض في الوقت نفسه إصدار حكم سياسي بناءً على روايات المعارضة.

سبتة تدخل في حسابات إسقاط حكومة اليسار

غير أن أهمية القضية لا تكمن فقط في مضمون تصريحات سانشيز، وإنما في التوقيت السياسي الذي انفجرت فيه.

فأزمة سبتة تأتي في سياق صراع داخلي إسباني شديد، حيث تبحث المعارضة عن الملفات التي يمكن استخدامها لإضعاف حكومة اليسار، ومحاصرتها سياسياً، وتحويل كل أزمة خارجية إلى دليل إضافي على ما تعتبره فشل حكومة سانشيز في حماية المصالح الإسبانية.

ومن هنا تصبح الهجرة، والعلاقة مع المغرب، وسبتة ومليلية، وحتى الملفات الأمنية، جزءاً من معركة أكبر حول مستقبل الحكومة نفسها.

فاليمين الإسباني لا يناقش فقط: ماذا حدث في سبتة؟ بل يحاول دفع النقاش نحو سؤال آخر: هل ما زالت حكومة سانشيز قادرة على حماية إسبانيا وإدارة علاقاتها مع جيرانها من موقع قوة؟

المغرب في قلب المناوشة الانتخابية

وهكذا يجد المغرب نفسه، مرة أخرى، داخل سجال سياسي إسباني يتجاوز في كثير من الأحيان طبيعة الخلاف الثنائي.

ففي أجواء المزايدة الانتخابية، يصبح المغرب موضوعاً مناسباً لتعبئة الناخبين، خصوصاً في الملفات المرتبطة بالهجرة والحدود وسبتة ومليلية.

وتحاول قوى سياسية إسبانية تقديم أي مرونة تجاه الرباط باعتبارها ضعفاً، بينما تدافع حكومة سانشيز عن مقاربة تقوم على الحوار والتعاون، مع الإبقاء على إمكانية الرد الحازم إذا ظهرت أدلة على مسؤولية مغربية في أي أزمة.

حين تتحول سبتة إلى سلاح سياسي

المفارقة أن أزمة يفترض أن تكون أساساً ملفاً دبلوماسياً وأمنياً وإنسانياً، تحولت إلى ذخيرة في المعركة بين الحكومة والمعارضة.

وبدل أن ينحصر السؤال في كيفية إدارة الحدود والهجرة ومنع تكرار موجات التدفق، أصبح جزء كبير من النقاش يدور حول هاتف سانشيز، وما إذا كان قد تعرض للاختراق والابتزاز، وما إذا كانت حكومته تخفي حقيقة العلاقة مع الرباط.

وهنا بالضبط تكمن خطورة توظيف أزمة سبتة في الصراع الداخلي الإسباني: فالوقائع تصبح أقل أهمية من الرواية السياسية التي يستطيع كل طرف تسويقها أمام الناخبين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى