اقتصادالرئسية

أقصبي: حين يصبح القرب من السلطة استثمارا4/3

كيف صنعت الدولة نخبة تجمع الثروة وتخشى المخاطرة؟

أعد الحوار مكتوبا: جيهان مشكور

ماذا لو لم تكن مشكلة المغرب أن رأسماله لا يريد المخاطرة، بل أن “قواعد اللعبة قد تجعل الاقتراب من السلطة أحيانا أقل كلفة من الاستثمار في الإنتاج؟” هنا يضع الاقتصادي نجيب أقصبي، في حواره مع جريدة «الشعاع الجديد»، إصبعه على واحدة من أكثر مناطق الاقتصاد المغربي حساسية: كيف تشكلت النخبة الاقتصادية، ولماذا لم تتحول الثروة دائما إلى رأسمال منتج ومستقل عن الدولة؟

لا يضع أقصبي كل رجال الأعمال في خانة واحدة، ولا يساوي بين الثراء والريع، لكنه يطرح مسارا مختلفا لتشكل جزء من النخبة الاقتصادية، لم ينبنِ بالضرورة على نموذج «البرجوازية الوطنية» التي تراكم ثروتها عبر التصنيع والمخاطرة والابتكار، بل ارتبط، في بعض الحالات ان لم يكن اغلبها، بالوساطة مع الخارج وبالامتيازات والقرب من مراكز القرار، وهنا يصبح السؤال أكثر إزعاجاً من مجرد معرفة من يملك المال: “كيف صُنعت هذه الثروة؟”

حين يصبح الريع أجدى من التصنيع

السؤال عن مصدر الثروة يقود مباشرة إلى سؤال آخر: ما الذي يجعل طريقاً إلى الربح أكثر جاذبية من طريق آخر؟

الاستثمار، في جوهره، رهان على المستقبل: رأسمال يُضخ اليوم في مصنع أو مشروع أو بحث وتطوير، مع تحمل المخاطر وانتظار السوق سنوات حتى يكافئه، أما حين يستطيع صاحب المال تحقيق عائد عبر امتياز أو وضع احتكاري أو قرب من القرار بمخاطر أقل، فإن حساباته تتغير.

هنا لا يعود ضعف الاستثمار الخاص مجرد مسألة مرتبطة بـ«عقلية» رجال الأعمال، بل بسؤال أعمق حول الحوافز التي تنتجها المنظومة نفسها: هل يكافئ الاقتصاد من ينتج ويبتكر ويغامر، أم من يجيد الوصول إلى مصادر الامتياز؟

فإذا أصبح الطريق الأقصر إلى الربح لا يمر بالضرورة من المصنع والتكنولوجيا والبحث، يصبح الريع ليس انحرافاً هامشياً في الاقتصاد، بل خياراً عقلانياً داخل قواعد لعبة مختلة، بحيث تتجاوز مشكلة علاقة المستثمر بالسوق، لتصل إلى علاقته بمن يملك مفاتيح القرار.

حين تراجعت المسافة بين المال والسلطة

وفي هذا السياق، يستعيد أقصبي مرحلة حاولت فيها «الكونفدرالية العامة لمقاولات المغرب» الحفاظ على مسافة أكبر بين عالم الأعمال والقرار السياسي، خصوصاً خلال قيادات مثل إدريس الحجوجي وحسن الشامي.. لكنه يرى أن هذه الاستقلالية بدأت تتراجع لاحقاً، خصوصاً منذ 2006–2007.

و اشار ان أهمية هذه المحطة لا تكمن في تاريخ منظمة أرباب العمل وحده، بل في السؤال الذي تفتحه: “هل يستطيع رأس المال أن يدافع عن مصالحه من موقع مستقل عن السلطة، أم يصبح الاقتراب من القرار جزءاً من شروط حماية المصالح وتوسيعها؟”

وحين تضيق المسافة بين المال والقرار، لا يبقى أثر ذلك محصوراً في عالم المقاولة، فالسياسة نفسها تدخل المعادلة،ويصبح السؤال التالي أكثر حساسية: ماذا يحدث عندما يدخل المال إلى الانتخابات؟

عندما تصبح السياسة استثماراً

هنا يبلغ تحليل أقصبي أكثر نقاطه حساسية: الانتخابات والمال والنفوذ..

ليس كل تمويل سياسي فساداً، ولا كل رجل أعمال يمارس السياسة سعياً إلى منفعة خاصة، لكن الخطر في قراءة أقصبي يبدأ عندما تتحول السياسة من فضاء للمشاركة في تدبير الشأن العام إلى “استثمار يبحث عن عائد”؛ فيُوظف المال للحصول على النفوذ، ثم يُستخدم النفوذ لحماية المصالح وتوسيعها.

ومن هذه الزاوية، لا تبدو الانتخابات مجرد محطة لتغيير ممثلين، بل جزءاً من دائرة أوسع تتقاطع فيها المصالح الاقتصادية مع القرار السياسي، وهكذا تتشكل المعادلة التي يلخصها أقصبي: “الريع يحتاج إلى القرار، والقرار يحتاج إلى النفوذ، والنفوذ يحتاج إلى المال، والمال يبحث عن عائد جديد من القرار.”

عند هذه النقطة لا تعود القضية مجرد اختلال في بيئة الأعمال، بل تصبح سؤالاً عن طبيعة الدولة نفسها: من يحدد قواعد اللعبة، ومن يستفيد منها، ومن يبقى خارجها؟

المواطن.. خارج الصفقة

إذا كان الاقتصاد يحتاج إلى الريع، والسياسة تحتاج إلى المال، والمال يحتاج إلى القرار، فإن الخاسر لا يظهر بالضرورة في دفاتر الشركات أو في صناديق الانتخابات، بل في المكان الذي لا يملك فيه المواطن نفوذاً يوازي نفوذ رأس المال.

ذلك هو الوجه الأخطر للمعادلة: “حين تصبح الثروة قادرة على الاقتراب من القرار أكثر مما يستطيع الإنتاج الاقتراب من السوق.”

وعندها لا تعود المشكلة فقط أن الاقتصاد لا ينتج ما يكفي، بل أن قواعد إنتاج الثروة نفسها تصبح موضع سؤال.

لأن ما يتوزع في الأعلى من نفوذ ومصالح، يترك في الأسفل أسئلة معلقة حول فرص الشغل، وتكافؤ الفرص، وجودة الخدمات، ونصيب الناس من ثمار النمو، فأخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن تدير الدولة دائرة المصالح، بل أن تصل اللعبة إلى مرحلة “تصبح فيها دائرة المصالح هي التي تدير الدولة.”

ومن هذا السؤال يفتح أقصبي الباب على ما هو أعمق “كيف يمكن الحديث عن «الدولة الاجتماعية» من دون أن نسأل أولاً: من تصل إليه هذه الدولة فعلاً، ومن لا تصل إليه؟”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى