الرئسيةسياسة

من التراشق إلى «الشيطنة»..المنصوري تغير قواعد اللعبة

في طنجة، مساء الأربعاء 16 شتنبر، اختارت فاطمة الزهراء المنصوري أن تقدم صورة مختلفة لحزب الأصالة والمعاصرة: حزب لا يريد الدخول في سجالات مع خصومه، ولا يرى فائدة في الرد على من «يشيطنون» «البام»، لأن احترام المغاربة، وفق تعبيرها، يفرض التركيز على البرنامج الانتخابي.

لكن تصريح المنصوري يفتح، أكثر مما يغلق، سؤالا سياسيا بسيطا: هل قرر «البام» فعلا احترام المغاربة الآن، أم أن احترام المغاربة أصبح قاعدة انتخابية كلما اقترب موعد الاقتراع؟

فالحملة الانتخابية لم تكن، طوال الأسابيع الماضية، مجرد سباق هادئ حول البرامج. فقد عرف المشهد تراشقا واضحا بين مكونات الأغلبية نفسها، خصوصا بين «البام» و«التجمع الوطني للأحرار»، كما دخل فوزي لقجع، منذ التحاقه بـ«البام» وتولي موقعه في المكتب السياسي، في قلب سجالات سياسية وتنظيمية متصلة بالانتخابات.

هل نسي المغاربة تراشق «البام» وخصومه؟

المفارقة أن المنصوري تطلب اليوم من المغاربة أن يتجاوزوا «شيطنة البام»، بينما كانت الساحة السياسية نفسها شاهدة على سجالات حادة حول الحزب وقياداته ومرشحيه.

ففي 3 شتنبر، كانت المنصوري ترد على اتهامات وُجهت إلى الحزب بشأن «ترهيب» مرشحين وناخبين كبار، وتدافع عن التحاق لقجع بـ«البام».

وقبل ذلك، أثار دخول لقجع إلى المكتب السياسي للحزب، رغم حداثة التحاقه، نقاشا حول طريقة تدبير الحزب للوافدين الجدد وموقعهم داخل القيادة.

وفي الأيام الأخيرة، استمر السجال السياسي بين قيادات «البام» و«الأحرار»، بما جعل شعار «التركيز على البرنامج» يبدو أقرب إلى محاولة لإعادة ضبط خطاب الحملة في أيامها الأخيرة منه إلى وصف دقيق لما جرى منذ بدايتها.

حين يصبح الصراع «شيطنة» والرد عليه «احتراما»

المشكلة ليست في أن يقرر «البام» عدم الرد على خصومه. فهذا خيار سياسي مشروع.

لكن السؤال هو: هل كل انتقاد للحزب أصبح «شيطنة»؟

الانتخابات يفترض أن تتيح للأحزاب مساءلة بعضها البعض، وانتقاد الحصيلة، ومناقشة الاختيارات والمرشحين والتحالفات. وإذا كان هناك اتهام محدد، فالمطلوب رده بالوقائع، لا تحويل كل انتقاد إلى حملة تشويه.

وهنا تحديدا تصبح عبارة «احترام المغاربة» بحاجة إلى تدقيق: احترام الناخب لا يعني فقط تجنب الشتائم والسجالات، بل يعني أيضا أن يعرف المواطن ماذا حدث، ومن قال ماذا، ومن يتحمل مسؤولية القرار، ومن يملك الدليل على اتهامه.

«برنامج واقعي».. لكن ماذا عن الحصيلة؟

تقول المنصوري إن برنامج «البام» واقعي، ومبني على «التجربة والحصيلة».

وهنا أيضا ينقلب السؤال: إذا كانت الحصيلة هي إحدى ركائز البرنامج، فلماذا لا تصبح الحصيلة نفسها موضوعا للنقاش الانتخابي؟

«البام» ليس حزبا خارج السلطة. فهو مكون أساسي في الأغلبية الحكومية الحالية، ولذلك فإن الحديث عن «التجربة والحصيلة» يضعه أمام مسؤولية مزدوجة: الدفاع عن ما تحقق، وفي الوقت نفسه قبول مساءلته عما لم يتحقق.

فالناخب لا يصوت على وعود معلقة في الهواء، وإنما ينظر أيضا إلى ما فعلته الأحزاب التي شاركت في تدبير الحكومة خلال الولاية المنتهية.

من «الفراقشية» إلى شركات التوزيع

في الجانب الاقتصادي، تعهدت المنصوري بالقطع مع «الفراقشية» والوسطاء عبر إنشاء شركات لتوزيع المواد الغذائية الأساسية، كما تحدثت عن إزالة المؤشر الخاص بالدعم الاجتماعي ورفع قيمة الدعم إلى 1000 درهم، إلى جانب إلغاء الضريبة على الدخل بما يسمح، وفق تصورها، بتوفير أجر شهر إضافي سنوياً.

لكن هذه الوعود تحتاج إلى ما هو أكثر من التصفيق الانتخابي: من سيمولها؟ وكيف ستنفذ؟ وما كلفتها على الميزانية؟ ومن سيستفيد منها تحديدا؟ وما الآلية التي ستمنع الشركات الجديدة نفسها من التحول إلى حلقات إضافية في سلسلة الوسطاء؟

فالقطع مع الوسيط لا يتحقق بمجرد استبدال اسمه بشركة.

سبتة والشباب.. من الإحباط إلى صندوق الاقتراع

الأكثر حساسية في خطاب المنصوري كان حديثها عن أحداث سبتة وعن الإحباط الذي عبرت عنه فئات من الشباب، مبدية تفهمها لانشغالاتهم، ومستحضرة موقعها كأم لشابين يبلغان 22 و20 سنة.

ثم انتقلت إلى دعوة الشباب إلى الانخراط في الحياة السياسية وعدم الابتعاد عن صناديق الاقتراع، مؤكدة أن المغرب «يزخر بالخيرات التي لا توجد في أي بلاد أخرى».

لكن الشباب الذي يُطلب منه الذهاب إلى الصندوق لا يحتاج فقط إلى خطاب عن «الخيرات»، إنه يحتاج إلى جواب عن سبب شعوره بأن تلك الخيرات لا تنعكس بالقدر نفسه على فرص الشغل والسكن والدخل والمستقبل.

وهنا لا يكفي أن يُقال للشاب: اذهب إلى صندوق الاقتراع؛ بل ينبغي أن يُقال له أيضا: ماذا ستجد هناك من إجابات عن الأسئلة التي أخرجته إلى الشارع أو جعلته يفكر في الهجرة؟

المشكلة ليست في الصندوق وحده

لذلك، فإن خطاب المنصوري في طنجة يضع «البام» أمام اختبار يتجاوز مجرد الدفاع عن الحزب في مواجهة خصومه.

إذا كان الحزب يريد أن يجعل احترام المغاربة عنوانا لحملته، فإن أول مظاهر هذا الاحترام هو أن يتعامل مع الناخب باعتباره مواطنا قادرا على التمييز بين البرنامج والحصيلة، وبين النقد والتشهير، وبين الوعد والقدرة على التنفيذ.

أما أن يُطلب من المغاربة، في الأيام الأخيرة من الحملة، أن ينسوا تراشق الأسابيع الماضية، وأن يضعوا جانبا سجالات «البام» مع خصومه، وأن ينتقلوا مباشرة إلى الاستماع إلى البرنامج، فذلك يطرح سؤالا أكثر إحرااً:

هل تغيرت قواعد الحملة فعلا، أم أن «احترام المغاربة» حضر متأخرا، عندما اقتربت لحظة الحساب داخل صندوق الاقتراع؟ إن حدثت اللحظة..

اقرأ أيضا…

المنصوري ولقجع.. حين تتحدث الحكومة معارضة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى