
فيلم “ضوء بين المحيطات”..من خراب الحرب إلى عزلة المنارة
بقلم: الكاتب والإعلامي عبدالعزيز كوكاس
تبدأ المأساة في هذا الفيلم مع وصول الطفلة إلى الجزيرة، كما قد يوحي البناء الظاهر للحكاية، ولكنها في الحقيقة تبدأ قبل ذلك، في المسافة النفسية التي تفصل الإنسان العائد من الحرب عن العالم الذي يفترض أن يعود إليه.
فتوم شربورن، الجندي السابق الذي اختار العمل حارسًا لمنارة نائية، كائن يتطلع إلى ترميم علاقته بالحياة بعد أن شهد انهيارها الأخلاقي على جبهات القتال.
والفرق جوهري بين عزلة يختارها الإنسان لأنها تمنحه السكينة، وعزلة يلجأ إليها لأنه فقد القدرة على احتمال الآخرين. إن توم يحمل الحرب في صمته، كما يحمل الناجون أحيانًا شعورًا غامضًا بالذنب لأنهم ظلوا أحياء بينما غاب رفاقهم.

ولهذا يبدو عالم المنارة، بانتظامه الصارم وحركاته المتكررة، نقيضًا مطمئنًا لفوضى الجبهة. هناك كل شيء محسوب: مواعيد إضاءة المصباح، تدوين الوقائع، مراقبة السفن، والمسؤولية عن حياة البحارة. إنه عالم يتيح للإنسان أن يستعيد الإحساس بالنظام بعد أن خبر انهيار القوانين الإنسانية.
مواجهة الحياة حين تأتي محمولة في جسد طفلة رضيعة
لكن المفارقة الدرامية التي يؤسس عليها سيانفرانس فيلمه “ضوء بين المحيطات” أن هذا الرجل الذي نجا من الحرب ليحتمي بالقانون سيجد نفسه مضطرًا إلى خرقه باسم الحب.
فكأن التجربة الأكثر إرباكًا للضمير والأقوى حتى من مواجهة الموت، هي التي سيعيشها في مواجهة الحياة حين تأتيه محمولة في جسد طفلة رضيعة.
ويحمل اللقاء بإيزابيل معنى يتجاوز الرومانسية التقليدية. فهي تمثل الطرف المقابل لتوم: هو انطوائي وحذر وذو ذاكرة مثقلة، وهي اندفاعية وعاشقة للحياة ولها قدرة على اقتحام العالم. غير أن هذا التقابل ليس مطلقًا؛ فإيزابيل نفسها ابنة عالم جرحته الحرب، وقد فقدت شقيقيها فيها. ومن ثم فإن الحب الذي يجمعهما يحمل منذ البداية رغبة مشتركة في إنقاذ ما تبقى من الحياة، وإن اختلفت طريقتاهما في مواجهة الفقد.
تغدو الجزيرة محاولة لتأسيس عالم جديد فوق أنقاض عالم قديم. غير أن التجربة الإنسانية لا تسمح بالقطيعة الكاملة مع الماضي، وما تحاول الشخصيات إبعاده عن حياتها سيعود إليها في صورة أخرى، أكثر حميمية وقسوة.
المكان بوصفه شخصية درامية
من أعمق عناصر فيلم “ضوء بين المحيطات” اشتغال سيانفرانس على المكان بوصفه بنية رمزية تحدد شروط التجربة الإنسانية نفسها. فالجزيرة المنعزلة، المحاطة بالمياه من كل الجهات، تخلق نوعًا من الاكتفاء العاطفي الذي سرعان ما ينقلب إلى حصار أخلاقي.
في البداية، تبدو المنارة منزلًا للأحلام، فضاءً يستطيع فيه عاشقان أن يصنعا عالمهما بعيدًا عن أعين الآخرين. لكن المكان ذاته يتحول، بعد اتخاذ قرار الاحتفاظ بالطفلة، إلى ملجأ للسر ومسرح لاستمرار الكذبة. لم يتغير البحر ولا الصخور ولا الضوء؛ الذي تغير هو معنى الإقامة في هذا المكان. وما كان عزلة تمنح الحرية أصبح عزلة تسمح بتعليق المسؤولية.
وهنا تكمن إحدى المفارقات البصرية الأكثر جمالًا: المنارة التي وُجدت كي تهدي السفن إلى الطريق الصحيح تتحول إلى مكان تتوارى داخله حقيقة ينبغي كشفها. فالضوء الذي يضيء البحر لا يستطيع أن يبدد العتمة الأخلاقية في حياة حارسه.
ويزيد اسم الجزيرة، «يانوس»، هذا التكوين الرمزي كثافة، فهو يستدعي الإله الروماني ذي الوجهين، المرتبط بالبدايات والنهايات والعتبات والعبور. والاختيار بالغ الدلالة داخل حكاية يتنازعها وجهان للحقيقة، وامرأتان للأمومة، وشاطئان للانتماء، ومفهومان متعارضان للواجب.
لكن ينبغي ألا نتوقف عند الرمزية المباشرة. فالقيمة السينمائية للمكان تتجلى أساسًا في قدرته على جعل الشخصيات تبدو صغيرة أمام اتساع الطبيعة. لقطات البحر المفتوح والصخور والسماء تمنح المشاهد إحساسًا بأن المأساة الإنسانية، مهما بلغت كثافتها، تقع داخل عالم لا يتوقف عن الحركة ولا يتدخل لإنصاف أحد.
يمنح البحر الطفلة الحياة بعدما ابتلع أباها، ويبدو في الوقت نفسه بريئًا من كل ما سيترتب على نجاتها. هذه اللامبالاة الكونية هي ما يجعل الطبيعة في الفيلم أقرب إلى شاهد صامت منها إلى قوة قدرية عادلة.
هل يحق للحب أن يصادر حق الآخرين؟
يبلغ فيلم “ضوء بين المحيطات” مركز ثقله الدرامي بعد فقدان إيزابيل حملها مرتين، حين يصل زورق صغير يحمل رجلًا ميتًا وطفلة حية. المشهد، ببنائه شبه الأسطوري، يوحي أول الأمر بمعجزة، أو بتدخل للقدر لإنقاذ امرأة من الانهيار. لكن براعة الفرضية الدرامية تكمن في أن ما يبدو خلاصًا لشخصيتين ليس سوى بداية مأساة لشخصية ثالثة لم نلتقِ بها بعد.

فإيزابيل التي ترى في الطفلة تعويضًا عن أمومتها المجهضة لا تستطيع أن تراها في البداية إلا انطلاقًا من جرحها الشخصي. إنها لا تنظر إلى الزورق باعتباره واقعة تقتضي التحقيق، بقدر ما اعتبرته جوابًا متأخرًا على دعاء طويل. ومن هنا تبدأ آلية شديدة التعقيد، يصبح فيها الاحتياج العاطفي مصدرًا لإعادة تفسير الواقع.
أما توم فيدرك منذ البداية أن عليه إبلاغ السلطات. إنه يعرف أن وجود رجل ميت وطفلة حية يفرض مسؤولية تتجاوز حدود البيت. ومع ذلك يستسلم لرغبة زوجته لأنه يعجز عن تحمل رؤيتها تسقط مجددًا في هاوية الفقد.
يكشف سيانفرانس الكيفية التي يستطيع بها الحب، حين يتحول إلى تعلق مطلق، أن ينتج ظلمًا لا يقل فداحة عن الظلم المتعمد. غير أن الفيلم يفرض علينا التمييز بين فهم الدافع وتبرير الفعل. فمعاناة إيزابيل تستحق التعاطف، لكنها لا تمنحها الحق في مصادرة طفلة من تاريخها وعائلتها. وتردد توم يكشف عن محبته وقلقه، لكنه لا يلغي مسؤوليته عن القرار الذي شارك فيه. الأمر الذي يجعل هذه الحبكة مثيرة سينمائيًا هو أن المتفرج يعرف منذ لحظة اتخاذ القرار أن السعادة المقبلة ستكون مؤقتة. وحين نشاهد الأسرة الصغيرة وهي تعيش لحظات الألفة والحنان، فإن تلك السعادة نفسها تتحول إلى مصدر قلق لأنها قائمة فوق حقيقة مؤجلة.
هكذا يستبدل الفيلم التشويق التقليدي القائم على السؤال: ماذا سيحدث؟ بتشويق أخلاقي أكثر إزعاجًا: متى ستنكشف الحقيقة، ومن سيدفع ثمنها؟
ثلاث شخصيات وثلاث تجارب للجرح
يقوم البناء التمثيلي للفيلم على تباين محسوب في طرق التعبير عن الألم، حيث يقدم مايكل فاسبندر وأليسيا فيكاندر وراشيل وايز ثلاثة أشكال مختلفة من حضور الجرح الإنساني. يؤدي فاسبندر شخصية توم من الداخل، معتمدًا على اقتصاد الحركة وانضباط الوجه والنظرات الطويلة. يبدو الصمت لديه تراكمًا لما يستحيل قوله. ويمكن ملاحظة أن توتره يتولد في كثير من المشاهد من التناقض بين ما يريده عاطفيًا وما يعرف أنه واجب أخلاقي. إنه يحب زوجته والطفلة، لكنه يعجز عن تحويل هذا الحب إلى مبرر يطمئن إليه ضميره.

وهذا التكوين يمنح أداءه كثافة خاصة، فالشخصية لا تحتاج إلى الاعتراف المتكرر بما تعانيه، لأن إحساسها بالذنب يصبح حاضرًا في أكثر اللحظات هدوءًا. وليس غريبًا أن يبدو فاسبندر في بعض المشاهد كمن يواصل خوض حرب انتهت رسميًا، لكنه لم يخرج منها نفسيًا. على النقيض، تعتمد أليسيا فيكاندر على جسدية تعبيرية أكثر انفتاحًا: الانفعال، البكاء، التوسل، احتضان الطفلة والخوف من فقدها. إنها تجعل من إيزابيل امرأة تواجه انهيار معنى حياتها، لا مجرد شخصية تحاول الاحتفاظ بما ليس لها.
والأهم أن أداءها يقدم الأمومة باعتبارها حاجة وجودية قد تتحول، حين تقترن بالرعب من الحرمان، إلى قوة استحواذ. هنا تكتسب الشخصية تناقضها الأكثر إيلامًا: كلما ازدادت قدرتها على منح الطفلة الحب، ازدادت قدرتها على إلحاق الألم بأمها الحقيقية.
أما راشيل وايز، في دور هانا، فتدخل الفيلم متأخرة نسبيًا، لكنها تعيد بمجرد حضورها ترتيب تعاطف المشاهد وأحكامه. فللمرة الأولى، تكتسب الضحية الغائبة وجهًا وصوتًا وتاريخًا. ومن خلال أداء يميل إلى الاحتواء بدل الانفجار، تمنح وايز الفقد بعدًا بالغ القسوة، خصوصًا حين نكتشف أن اليقين بموت الطفلة كان، بالنسبة إليها، أقل ألمًا من معرفة أنها ظلت حية بعيدًا عنها. وفي بعض المشاهد، يصبح وجه هانا وحده كافيًا لإعادة بناء المأساة من زاوية لم يكن الفيلم قد أتاحها لنا.
ومع ذلك، يمكن تسجيل تحفظ جوهري: يمنح السيناريو توم مساحة أوسع للتردد الأخلاقي، فيما يخاطر أحيانًا بحصر إيزابيل في أمومة يائسة، وهانا في أمومة مسلوبة. وهنا تتدخل قوة الممثلتين لتمنح الشخصيتين تعقيدًا يتجاوز ما تسمح به بعض الخطوط الدرامية المكتوبة.

بين أمومتين، طفلة ضحية صراع الهويات
تكشف مأساة الطفلة، التي تتنقل بين اسمَي لوسي وغريس، عن الطبقة الأعمق في الفيلم. فالاسم تعبير عن الانتماء، وعن الحكاية التي يرويها الآخرون عنا قبل أن نصبح قادرين على روايتها بأنفسنا.
لوسي هي الطفلة التي نشأت داخل حب توم وإيزابيل، وغريس هي الابنة التي فقدتها هانا وظلت تبحث عنها. وليست المشكلة في وجود اسمين لشخص واحد، وإنما في وجود تاريخين عاطفيين يتنازعان حق تعريف هذا الشخص.
فالأمومة التي يعرضها الفيلم تجربة تتداخل فيها الولادة والرعاية والذاكرة والحق. هانا أم أنجبت ولم تتح لها فرصة التربية، وإيزابيل امرأة لم تنجب هذه الطفلة لكنها احتضنت طفولتها وصنعت معها علاقة يومية عميقة. ومن ثم فإن استعادة الطفلة إلى أمها البيولوجية، على مشروعيتها القانونية والأخلاقية، لا تمحو تلقائيًا آثار الحياة التي عرفتها مع المرأة الأخرى.
هنا يبلغ فيلم “ضوء بين المحيطات” إحدى أكثر لحظاته صدقًا: إنهاء الظلم لا يعني بالضرورة انتهاء الألم. وقد يكون إرجاع الحق حدثًا ضروريًا لكنه مزلزل نفسيًا، خصوصًا لطفلة لا تستطيع فهم أسباب انتزاعها من العالم الوحيد الذي عرفته. غير أن ثمة مساءلة ضرورية لهذا البناء: هل منح الفيلم الطفلة ذاتها حضورًا كافيًا، أم أنه جعلها في الغالب موضوعًا لرغبات الكبار ومخاوفهم؟
فحين تتنازع امرأتان حق الأمومة، يبقى من الضروري ألا يضيع حق الطفلة في الأمان والاستمرارية والاعتراف بتاريخها العاطفي. إنها ليست جائزة تُمنح للأكثر ألمًا، ولا غنيمة يستحقها الأكثر تضحية. ومن هذه الزاوية، يصبح استقرارها النفسي معيارًا أخلاقيًا ينبغي أن يتقدم على رغبة الكبار في الانتصار.
موعدنا في الحلقة القادمة مع سينما الخميس وفيلم: حافة جبل هاكسو







