الرئسيةسياسة

حفيظ: طمس الحقيقة اعتداء على الضحايا

أكد الأستاذ الجامعي والإعلامي محمد حفيظ أن الكشف عن حقيقة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وحفظ الذاكرة الجماعية يشكلان ركيزتين أساسيتين لبناء مستقبل أفضل، مشددا على أن العدالة لا يمكن أن تتحقق دون معرفة الحقيقة كاملة، أو بالاكتفاء بجبر الضرر والمصالحة دون استيفاء باقي الاستحقاقات الحقوقية.

وقال حفيظ، في تدوينة نشرها على صفحته بموقع التواصل الاجتماعي «فايسبوك»، إن «من لا ذاكرة له لا مستقبل له»، معتبرا أن الخوف من الحقيقة ومحاولات طمس الذاكرة لا يعكسان إرادة حقيقية في بناء مستقبل أفضل.

وأوضح الإعلامي والأستاذ الجامعي أنه ينشر تباعا مضامين مداخلته التي شارك بها في ندوة «من أجل حقيقة كاملة وذاكرة متقدة»، التي نظمها أصدقاء الراحل محمد الرحوي، أحد ضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان خلال سنوات الجمر والرصاص، بمناسبة الحفل التأبيني الذي أقيم تخليدا لذكراه يومي 29 و30 أبريل 2023.

الحقيقة.. المدخل الضروري لتحقيق العدالة

وشدد حفيظ على أن المطالبة بكشف الحقيقة بشأن انتهاكات حقوق الإنسان ليست مجرد رغبة في معرفة تفاصيل ما وقع في الماضي، بل تمثل خطوة ضرورية في مسار تحقيق العدالة، مؤكدا أنه لا يمكن تجاوز الحقيقة أو تأجيل الكشف عنها أو الاكتفاء بمعطيات ناقصة، ثم الادعاء بأن العدالة قد تحققت.

وأضاف أن الحقيقة تشكل إحدى الدعائم الأساسية للعدالة الانتقالية، إلى جانب المساءلة القضائية وجبر الضرر وضمانات عدم التكرار، موضحا أن هذه المرتكزات مترابطة ومتكاملة، ولا يمكن لأي منها أن يعوض الآخر.

وأفاد بأن جبر الضرر أو اتخاذ تدابير للمصالحة لا يكفيان وحدهما لإعلان تحقق العدالة، ما لم تتم الاستجابة لباقي الاستحقاقات الحقوقية، وفي مقدمتها الكشف عن الحقيقة وتحديد المسؤوليات واتخاذ التدابير القانونية والسياسية الكفيلة بمنع تكرار الانتهاكات.

وتابع أن معرفة الحقيقة لا تقتصر على كونها وسيلة لتحقيق العدالة، بل تشكل في حد ذاتها حقا من حقوق الإنسان، وهو ما يجسده مفهوم «الحق في الحقيقة»، الذي يضمن للضحايا وذويهم معرفة ملابسات الانتهاكات الجسيمة والظروف المحيطة بها، فضلا عن مصير المختفين قسريا وأماكن وجودهم، وتحديد المسؤولين عن تلك الانتهاكات بحسب طبيعة كل حالة.

الحق في الحقيقة يتجاوز الضحايا إلى المجتمع

وفي السياق ذاته، أشار حفيظ إلى أن الحق في الحقيقة يحظى باعتراف دولي، مذكرا بإعلان الجمعية العامة للأمم المتحدة، في دجنبر 2010، يوم 24 مارس من كل سنة يوما دوليا للحق في معرفة الحقيقة بشأن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وكرامة الضحايا.

وأوضح أن هذا الحق لا يقتصر على الضحايا وأسرهم، وإنما يشمل المجتمع بأكمله، مميزا بين بعد فردي يتعلق بمعرفة ظروف الانتهاك ومصير الأشخاص المختفين أو المتوفين ومكان وجود رفاتهم، وبين بعد جماعي يرمي إلى كشف الوقائع التاريخية المرتبطة بالانتهاكات وأسبابها وسياقاتها والمسؤولين عنها، فضلا عن الظروف التي سمحت بوقوعها.

وأضاف أن للمجتمع مصلحة مشروعة في معرفة حقيقة الانتهاكات التي شهدها، لما لذلك من دور في صيانة الذاكرة الجماعية، وتعزيز الوعي بالتاريخ، وإرساء الضمانات الضرورية للحيلولة دون تكرار ما حدث.

الذاكرة ليست استعادة للماضي بل حماية للمستقبل

وانتقل حفيظ إلى العلاقة بين الحقيقة والذاكرة، معتبرا أن معرفة ما جرى لا تكتمل آثارها إلا بتوثيق الوقائع وحفظها وإتاحتها أمام الأفراد والأجيال المتعاقبة.

وقال إن الغاية من الكشف عن الحقيقة ليست نسيان الماضي، بل صونه واستخلاص الدروس منه بما يساعد على حماية الحاضر والمستقبل، مؤكدا أن معرفة الحقيقة وحفظ الذاكرة مساران متلازمان في مواجهة احتمال تكرار الانتهاكات.

وأضاف أن صيانة الذاكرة الجماعية المرتبطة بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان تندرج ضمن مقتضيات الحق في الحقيقة ومتطلبات الإنصاف وضمان عدم التكرار، معتبرا أن الذاكرة حق للأفراد والمجتمع على حد سواء.

وتابع أن الحقيقة والذاكرة لا تنفصلان، إذ لا يمكن بناء ذاكرة موثوقة بشأن الانتهاكات دون الكشف عن حقيقتها وتوثيقها، كما تفقد الحقيقة جزءا كبيرا من قيمتها إذا لم يتم حفظها ووضعها رهن إشارة الجميع، بما يضمن انتقالها إلى الأجيال المقبلة.

العدالة الانتقالية وصيانة الذاكرة الجماعية

وأبرز الأستاذ الجامعي أن تجارب العدالة الانتقالية المرجعية منحت أهمية كبيرة للكشف عن الحقيقة وحفظ الذاكرة، من خلال إحداث لجان للحقيقة واعتماد آليات لتوثيق الانتهاكات وجمع الشهادات والوثائق وصون الذاكرة الجماعية.

وأوضح أن هذه الجهود تستهدف إنصاف الضحايا ورد الاعتبار إليهم وإلى المجتمع، وتعزيز الوعي الجماعي بما وقع، فضلا عن حماية الحاضر والمستقبل من إعادة إنتاج الانتهاكات نفسها.

وفي هذا الإطار، أفاد حفيظ بأن التصدي لمحاولات تحريف التاريخ أو إنكار الانتهاكات أو التقليل من خطورتها يمثل جزءا أساسيا من معركة صيانة الذاكرة الجماعية، مشيرا إلى أن هذه الممارسات لا تسيء إلى كرامة الضحايا وذويهم فحسب، بل تعرقل أيضا مسار كشف الحقيقة وتحقيق العدالة، وتقوض ضمانات عدم التكرار.

وأضاف أن محاولات طمس الحقيقة أو التلاعب بالوقائع تمثل، في حد ذاتها، اعتداء على الضحايا وأسرهم وعلى المجتمع، لما تنطوي عليه من استمرار للإساءة إلى الذاكرة الجماعية وحرمان الأجيال من معرفة تاريخها.

«ذاكرة الحقيقة» في مواجهة التزوير والتحريف

وخلص حفيظ إلى التأكيد على أن الذاكرة المنشودة ليست ذاكرة مصطنعة تسعى إلى تزوير الوقائع، ولا ذاكرة محرفة تعمل على إعادة تشكيل التاريخ وفق روايات تخفي حقيقة الانتهاكات أو تقلل من خطورتها.

وشدد على أن الذاكرة التي ينبغي الدفاع عنها هي الذاكرة القائمة على الحقيقة، والتي تحفظ الوقائع كما جرى الكشف عنها وتوثيقها، وتصون كرامة الضحايا وحق المجتمع في معرفة ماضيه.

وأكد أن بناء مستقبل أفضل يقتضي مواجهة كل ما من شأنه طمس الحقيقة أو تحريف الذاكرة، مجددا أن الخوف من الحقيقة يتناقض مع الإرادة الحقيقية لإقامة مستقبل قائم على العدالة والإنصاف واحترام حقوق الإنسان.

اقرأ أيضا…

حوار عرشان..البكاري يشرح نقطتي خلافه مع المهدوي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى