
اختلال الميزان التجاري
يفتح اتساع العجز التجاري للمغرب جبهة جديدة للمساءلة الاقتصادية، بعدما كشفت أرقام نهاية شتنبر 2026 أن مكاسب التصدير لم تعد كافية لمجاراة شهية الاستيراد، فقد قفز عجز تجارة السلع إلى 323,94 مليار درهم، بزيادة 25,4% مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية، في مفارقة تختصر مأزق اقتصاد يوسع حضوره في الأسواق الدولية، لكنه يواصل دفع فاتورة ثقيلة للخارج.
وبحسب أحدث معطيات مكتب الصرف، ارتفعت واردات السلع بنسبة 17%، لتناهز 708 مليارات درهم، مقابل صادرات بلغت 384,05 مليار درهم، بنمو لم يتجاوز 10,7%، والفارق هنا ليس مجرد سباق بين نسبتين؛ إنه سؤال عن قدرة الإنتاج الوطني على تحويل الاستثمار والتوسع الصناعي إلى قيمة مضافة محلية تخفف ضغط الواردات.
الطاقة.. فاتورة تتجاوز المحروقات
وفي صدارة الاختلال، قفزت الفاتورة الطاقية بنسبة 37%، إلى 111,59 مليار درهم، وهذه القفزة لا تستنزف الموارد الخارجية فحسب، بل تكشف هشاشة اقتصاد تظل كلفة إنتاجه ونقله معرضة لتقلبات أسواق الطاقة الدولية، بما قد يضغط على المقاولات وهوامشها، وينعكس على الأسعار والقدرة الشرائية للأسر.
لكن الاختلال أوسع من الطاقة؛ فقد ارتفعت واردات المواد الخام بنسبة 60,9% إلى 52,06 مليار درهم، وسلع التجهيز الجاهزة بـ22% إلى 173,38 مليار درهم، والمنتجات الجاهزة للاستهلاك بـ9% إلى 162,69 مليار درهم، كما زادت أنصاف المنتجات بـ4,3% إلى 133,73 مليار درهم، والمواد الغذائية بـ2,9% إلى 72,54 مليار درهم.
ولا يعني هذا أن كل استيراد عبء؛ فالتجهيزات والمواد الخام قد تغذي الإنتاج والاستثمار، لكن الرهان الحقيقي هو مقدار ما يتحول منها إلى صناعة محلية وفرص شغل وقيمة مضافة، بدل استمرار الحاجة إلى تمويل فاتورة خارجية متضخمة.
صادرات لامعة.. وحصانة إنتاجية ناقصة
سجل الطيران أقوى نمو تصديري، بـ22,3% إلى 26,21 مليار درهم، والسيارات بـ14,3% إلى 132,11 مليار درهم، والفلاحة والصناعات الغذائية بـ10,7% إلى 72,43 مليار درهم. لكن صادرات النسيج والجلد تراجعت بـ5% إلى 32,15 مليار درهم، والإلكترونيات والكهرباء بـ0,4% إلى 10,29 مليارات درهم، بينما لم تتجاوز زيادة الفوسفاط ومشتقاته 0,2%، ليستقر عند 74,65 مليار درهم.
وتبقى قيمة الصادرات وحدها غير كافية للحكم على قوة الاندماج الصناعي، ما دامت لا تكشف بمفردها حجم المكونات المستوردة والقيمة المحلية المضافة.
فائض الخدمات لا يعفي من المحاسبة
وفر ميزان الخدمات فائضا بـ135,8 مليار درهم، بارتفاع 14,8%، مع نمو صادرات الخدمات بـ13,1% مقابل 11,3% للواردات، وهو متنفس مهم، لكنه لا يلغي اختلال تجارة السلع.
سياسيا، لا يكفي استعراض نجاحات التصدير؛ المطلوب مساءلة نجاعة الاختيارات العمومية في تقليص التبعية الطاقية، وتعميق التصنيع، وربط التحفيزات بخلق القيمة والشغل، فحين تتضخم فاتورة الخارج، لا تبقى الكلفة حبيسة الجداول التجارية، بل تصل إلى المقاولة والأسرة.
“المعضلة ليست أن المغرب يصدر قليلا فقط، بل أن مكاسبه التصديرية لا تتحول بالسرعة الكافية إلى حصانة اقتصادية، فإلى متى يظل الإنتاج يتقدم، بينما يسبقه العجز؟”





