الرئسيةمجتمع

البطالة بالمملكة تزحف.. والحكومة تواصل الوعود

نزيف الشغل بالمغرب.. 173 ألف منصب مفقود ووعود الحكومة على المحك

عرّت حصيلة الفصل الثالث من سنة 2026 الفجوة بين الوعود الحكومية وواقع سوق الشغل؛ ففي ثلاثة أشهر فقط، فقد الاقتصاد المغربي صافيا 173 ألف منصب شغل مقابل دخل مقارنة بالفصل السابق، وارتفع عدد العاطلين بنحو 103 آلاف شخص، ليتراجع معدل البطالة من 9.5 إلى 10.5%، وهي حصيلة تضع خطاب التشغيل والحماية الاجتماعية أمام اختبار لا تحسمه البلاغات الحكومية، بل قدرة الاقتصاد على توفير فرص عمل تحفظ كرامة المواطنين.

الفلاحة تنزف.. والصناعة لا تسد الفجوة

وفق المندوبية السامية للتخطيط، انخفض عدد المشتغلين مقابل دخل من 10 ملايين و643 ألف شخص إلى 10 ملايين و470 ألفاً، بتراجع نسبته 1.6%، فيما تقلص حجم القوى العاملة بنحو 70 ألف شخص إلى 11 مليوناً و694 ألفاً. وتوزعت الخسائر بشكل غير متكافئ، إذ فقد الوسط القروي 148 ألف منصب، مقابل 25 ألفاً في المدن.

وتصدر قطاع الفلاحة واستغلال الغابات والصيد قائمة الخاسرين بـ145 ألف منصب، تليه الخدمات بـ96 ألفاً، ثم البناء بنحو ثلاثة آلاف، بينما أحدثت الصناعة 69 ألف منصب إضافي، وتكشف هذه المفارقة محدودية قدرة التصنيع على تعويض هشاشة قطاعات واسعة الاستيعاب لليد العاملة، خصوصاً في القرى، حيث يظل التشغيل شديد التأثر بالتقلبات المناخية والموسمية، أما تراجع الخدمات، فيطرح بدوره أسئلة حول استقرار القطاع الأكثر استيعاباً للمشتغلين.

الشباب والنساء.. كلفة الاختلالات الاجتماعية

بلغ عدد العاطلين مليوناً و224 ألف شخص، يقطن 76.4% منهم بالوسط الحضري، وسجلت البطالة 12.5% بالمدن مقابل 6.9% بالقرى، و16.7% لدى النساء مقابل 8.7% لدى الرجال، أما الشباب بين 15 و24 سنة، فقد بلغت بطالتهم 30.5%، أي إن قرابة ثلث هذه الفئة النشيطة لا يجد عملاً.

وتزداد المفارقة حدة لدى حاملي الشهادات العليا والمتوسطة، إذ بلغت بطالتهم 18.1%، مقابل 11.6% لدى حاملي الشهادات الأساسية، و4.7% لدى غير الحاصلين على شهادة، وهي أرقام تضع منظومة التعليم والتكوين وسياسات الإدماج المهني أمام مساءلة حقيقية: كيف تتحول الشهادة من رافعة للترقي الاجتماعي إلى محطة انتظار طويلة أمام أبواب سوق الشغل؟

خريطة البطالة تفضح اختلال التنمية

جهوياً، سجلت كلميم واد نون أعلى معدل بطالة بـ17.2%، تليها درعة تافيلالت بـ14.7%، والشرق بـ13.7%، والدار البيضاء سطات بـ13%، وفي المقابل، بلغ المعدل 4.6% بالداخلة وادي الذهب، و6.8% بطنجة تطوان الحسيمة، وتكشف هذه الفوارق أن الاستثمار لم ينجح بعد في ضمان توزيع متوازن لفرص الشغل، وأن التنمية المجالية لا تزال تواجه اختلالات عميقة.

«الدولة الاجتماعية».. الوعود لا تصنع مناصب الشغل

لا تثبت هذه الحصيلة وحدها انهيار الاقتصاد، كما ينبغي مراعاة العوامل الفصلية والمنهجية الإحصائية الجديدة التي اعتمدتها المندوبية سنة 2026، لكنها تكشف تدهوراً مقلقاً بين فصلين، وتعيد طرح السؤال عن المردودية الاجتماعية للسياسات الحكومية.

فما جدوى استعراض أرقام الاستثمار والنمو، إذا كانت قطاعات واسعة عاجزة عن حماية مناصب الشغل، وإذا ظل الشباب والنساء وسكان القرى يتحملون الكلفة الأكبر؟ إن «الدولة الاجتماعية» لا تُقاس بحجم الوعود ولا بعدد البرامج المعلنة، بل بقدرتها على انتشال المواطنين من الهشاشة، وحين يصبح الشغل الحلقة الأضعف في معادلة التنمية، فإن الحكومة مطالبة بتفسير حصيلتها، لا بإعادة تسويق أولويات لم تنعكس بعد على حياة المغاربة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى