
في همسة سياسية واقتصادية مباشرة إلى الحكومة، اختار الباحث الاقتصادي نورالدين العوفي أن يضع السياسات الاجتماعية المعتمدة تحت مجهر النقد، محذراً من أن الزيادات الرمزية لا تعالج الحرمان، وأن السوق الملتهبة سرعان ما تلتهم ما تمنحه الحكومة للمواطنين، فيما يظل المستفيدون من الاحتكار والريع والتلاعب بالأسعار خارج دائرة المحاسبة.
تحت عنوان «همسة في أذن الحكومة/ سياسة الحقيقة»، وجّه الباحث الاقتصادي نورالدين العوفي رسالة نقدية تحمل أكثر من إشارة إلى اختلالات الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية للحكومة، معتبراً أن بناء الدولة الاجتماعية لا يمكن أن يتحقق عبر السياسات الليبرالية، وبالأحرى من خلال المقاربات النيوليبرالية التي تترك الفئات الهشة في مواجهة تقلبات السوق وتآكل القدرة الشرائية.
وفي تدوينة نشرها على حسابه بموقع التواصل الاجتماعي فايسبوك، اعتبر العوفي أن الحرمان الاقتصادي لا يمكن التخفيف من حدته بواسطة «زيادات» رمزية، لا تغني المواطنين من الفقر ولا تحميهم من تدهور أوضاعهم المعيشية، خصوصاً أن مفعولها سرعان ما يتبخر أمام موجات الغلاء المتواصلة وارتفاع أسعار المواد الأساسية.
السوق لا تلتهم الزيادات وحدها.. من ينفخ في نار الغلاء؟
ولم يحصر الباحث الاقتصادي أسباب الأزمة في العوامل الخارجية أو تقلبات السوق، بل نبّه إلى وجود فاعلين داخليين يساهمون في تأجيجها، من خلال ممارسات تضر بالتوازنات الاقتصادية وتعمّق معاناة المستهلكين.
وفي هذا السياق، وضع العوفي أصبعه على ما وصفه بالمحتكرين والمتلاعبين بالسوق والطفيليين والمستفيدين من الريع، إلى جانب من سماهم «الأكالين للسحت»، معتبراً أن هؤلاء يشكلون جزءاً من الأسباب التي تجعل نار الأسعار مستمرة في الاشتعال، وتفرغ التدابير الحكومية ذات الطابع الاجتماعي من كثير من أثرها.
وبذلك، يطرح العوفي سؤالاً يتجاوز حجم الزيادات والإعانات: كيف يمكن الحديث عن حماية القدرة الشرائية دون مواجهة شبكات الاحتكار والمضاربة والامتيازات غير المستحقة؟ وكيف يمكن مطالبة المواطن بتحمل كلفة الأزمة، بينما يظل المتسببون في جانب من اختلالات السوق بعيدين عن المساءلة؟
المقاصة ليست المشكلة.. بل طريقة استهداف الدعم
ومن أبرز النقاط التي أثارها العوفي رفضه التسليم بأن آلية المقاصة فقدت نجاعتها، منتقداً التبرير الحكومي القائل إن الأغنياء هم المستفيدون الأساسيون من الدعم العمومي الموجه للمواد الأساسية.
واعتبر أن هذا الطرح يتضمن «حقاً يراد به باطل»، لأن استفادة بعض الفئات الميسورة من الدعم لا تعني بالضرورة التخلي عن الآلية برمتها، بل تقتضي البحث عن وسائل أكثر دقة لاستهداف المستحقين، مع استرداد ما يصل إلى غير المستحقين من دعم عمومي.
وفي هذا الصدد، يرى الباحث الاقتصادي أن الدولة تمتلك إمكانية استرجاع ما تمنحه بيدها اليمنى لمن لا يستحقه بيدها اليسرى، عبر آليات تتيح التمييز بين الفئات الاجتماعية، مستندة إلى المعطيات المتاحة حول الوضعيات الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين.
ويذهب العوفي إلى أن الوصول إلى سجلات الأغنياء والتحقق من أوضاعهم أكثر يسراً من تعقب الفقراء الذين لا يتوفرون بالضرورة على الوثائق والإمكانات نفسها، مستحضراً تجربة حكومة التناوب التوافقي التي سبق لها أن اختبرت هذا الإجراء وفعّلته.
«حبل الكذب الاجتماعي قصير».. تحذير من نفاد الصبر
وفي خاتمة تدوينته، انتقل العوفي من تشخيص الاختلالات الاقتصادية إلى توجيه رسالة سياسية مباشرة للحكومة، محذراً من أن الهوة بين الخطاب الاجتماعي والواقع المعيشي لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية.
وكتب في هذا السياق: «حبل الكذب الاجتماعي قصير، والصبر الاجتماعي ليس بلا حدود»، في عبارة تختزل تحذيراً من مغبة الاستمرار في تقديم الوعود والتدابير الجزئية دون معالجة الأسباب البنيوية التي تنتج الفقر والهشاشة وتآكل القدرة الشرائية.
واستحضر العوفي، في ختام رسالته، مقولة الراحل المهدي بنبركة: «السياسة الحقيقية هي سياسة الحقيقة»، واضعاً الحكومة أمام سؤال جوهري: هل يتعلق الأمر فعلاً ببناء دولة اجتماعية تضمن العدالة والإنصاف، أم بمجرد تدبير آثار الاختيارات الاقتصادية نفسها التي تعمّق الفوارق وتوسع دائرة الحرمان؟
إن رسالة العوفي لا تقف عند حدود الاعتراض على حجم الدعم أو طبيعة الزيادات، بل تذهب إلى مساءلة فلسفة الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية برمتها، وتدعو إلى مواجهة المستفيدين من اختلالات السوق، وإعادة النظر في أدوات توزيع الثروة والدعم العمومي. فالدولة الاجتماعية، وفق هذا المنظور، لا تُقاس بما تعلنه الحكومة من أرقام وميزانيات، وإنما بما يلمسه المواطن من عدالة في توزيع الأعباء والثروات، وحماية فعلية لقدرته الشرائية وكرامته.





