
في خطوة تروم تسوية وضعية آلاف المستغلين للأراضي الجماعية وتعزيز الاستثمار الفلاحي بالعالم القروي، وجّه وزير الداخلية، عبد الوافي لفتيت، دورية جديدة إلى ولاة الجهات وعمال العمالات والأقاليم، دعاهم من خلالها إلى تسريع مسطرة تمليك الأراضي الفلاحية البورية التابعة للجماعات السلالية لفائدة أعضائها المنتفعين بها، مع تبسيط الإجراءات الإدارية والتقنية واعتماد مجانية التمليك وفق الشروط القانونية المحددة.
وتأتي هذه الدورية، التي تحمل رقم 3535، في سياق تفعيل المقتضيات القانونية والتنظيمية المرتبطة بتدبير أملاك الجماعات السلالية، ولاسيما القانون رقم 62.17، بهدف تمكين المستغلين الفعليين من تسوية وضعيتهم العقارية، وتحويل الأراضي التي ظلوا يستغلونها إلى ملكيات فردية تتيح لهم آفاقاً أوسع للاستثمار والتطوير الفلاحي.
نحو 16 ألف هكتار.. نتائج دون الطموحات
وأقرت الدورية بأن المصادقة على طلبات تمليك فردية همّت حوالي 16 ألف هكتار، غير أن الحصيلة المحققة ما تزال دون مستوى الأهداف المنتظرة، وهو ما دفع وزارة الداخلية إلى الدعوة لتجاوز الإكراهات الإدارية والتقنية التي تعطل استفادة المعنيين من هذا الورش.
ومن أبرز المستجدات التي حملتها الإجراءات الجديدة، مجانية عملية التمليك وإعفاء الأراضي الفلاحية البورية المعنية من وجيبات المحافظة العقارية، في إطار التعديلات التنظيمية التي عرفها المرسوم التطبيقي للقانون رقم 62.17 خلال سنة 2026.
وتراهن الوزارة على أن يشكل هذا الإجراء حافزاً حقيقياً أمام المستفيدين لتطوير استغلالياتهم الفلاحية، وتحسين أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية، فضلاً عن تعزيز الاستثمار المنتج بالمناطق القروية.
التمليك ليس حقاً تلقائياً.. وهذه أبرز الشروط
ورغم الطابع التحفيزي لهذه التدابير، فإن الدورية تؤكد أن التمليك لا يشمل بشكل تلقائي جميع الأراضي الجماعية، بل يخضع لشروط قانونية وعقارية محددة.
ومن بين هذه الشروط أن تكون الأراضي ذات طبيعة فلاحية، ومحفظة وغير متنازع بشأنها، ومستغلة من طرف أعضاء الجماعة السلالية، وألا تكون مشمولة بوثائق التعمير أو واقعة داخل دوائر الري.
كما يتعين توفر لوائح محينة ومصادق عليها لأعضاء الجماعة السلالية، إلى جانب موافقة نائب الجماعة أو جماعة النواب، وتزكية السلطة المحلية، قبل إحالة مقترحات العقارات المعنية على المصالح المركزية لاتخاذ قرار فتح مسطرة التمليك.
أما الطلبات الفردية، فتشترط أن تبلغ مساحة القطعة المستغلة عشرة هكتارات على الأقل، مع إمكانية بلوغ هذه المساحة عن طريق تجميع قطع متجاورة، وفق الضوابط المحددة. كما يتعين أن يكون طالب التمليك عضواً مسجلاً باللوائح الرسمية، ومستفيداً قانونياً من حق الانتفاع، وأن يكون مستغلاً للأرض دون منازع، مع الالتزام بإنجاز مشروع استثماري فلاحي.
أربع مراحل لتسريع إخراج الملفات
وحددت الدورية أربع مراحل أساسية لتنفيذ العملية، تبدأ بالتأكد من توفر الشروط القانونية والعقارية، مروراً بتعبئة المستفيدين وتحسيسهم بأهداف العملية، ثم معالجة الملفات التقنية والإدارية، وصولاً إلى إبرام عقود التمليك واستخراج الرسوم العقارية الفردية.
وفي هذا السياق، دعت وزارة الداخلية السلطات الإقليمية إلى تنظيم لقاءات تواصلية مع أعضاء الجماعات السلالية المعنية، بمشاركة السلطات المحلية والنواب، لتوضيح المساطر والوثائق المطلوبة وكيفية تقديم الطلبات.
كما شددت على ضرورة التنسيق بين مختلف المصالح المتدخلة، خصوصاً قطاعات الفلاحة والتسجيل والمحافظة العقارية والمسح العقاري، من أجل تجاوز التعقيدات وتسريع معالجة الملفات.
وتتيح الدورية أيضاً إمكانية اللجوء إلى طلبات التمليك الفردية في حال تعذر التوصل إلى اتفاق بشأن تقسيم العقار الجماعي، بما يمنع تعطيل ملفات المستفيدين بسبب الخلافات المرتبطة بالتقسيم الجماعي.
الاستثمار شرط أساسي للاحتفاظ بالملكية
ومن أبرز المقتضيات التي تضمنتها الدورية ربط التمليك بالتزام المستفيد بإنجاز مشروع استثماري فلاحي فوق الأرض موضوع التفويت.
ولهذا الغرض، تنص المسطرة على تسجيل رهن رسمي لفائدة الجماعة السلالية، ضماناً لتنفيذ الالتزامات الاستثمارية المتعهد بها. كما ستتولى اللجان الإقليمية مراقبة مدى تقدم المشاريع، واقتراح تمديد آجال الإنجاز أو رفع اليد عن الرهن بحسب وضعية التنفيذ.
وفي المقابل، تنص الإجراءات على إمكانية اتخاذ التدابير القانونية اللازمة في حالة إخلال المستفيد بالتزاماته وعدم إنجاز المشروع الاستثماري المتفق عليه.
لجان للتتبع وتقارير دورية لمراقبة التنفيذ
ولضمان عدم بقاء هذه التدابير حبيسة التوجيهات الإدارية، أقرت الدورية إحداث لجان محلية وإقليمية ومركزية، تتولى مواكبة مختلف مراحل العملية، ومعالجة الشكايات والإكراهات، وتنسيق تدخل المصالح المعنية.
كما ألزمت السلطات المختصة بإعداد تقارير كل ثلاثة أشهر، تتضمن حصيلة التقدم والصعوبات المسجلة والحلول المقترحة وبرنامج العمل للفترة المقبلة.
وبهذه الإجراءات، تسعى وزارة الداخلية إلى إعطاء دفعة جديدة لملف تمليك الأراضي السلالية، الذي ظل لسنوات يواجه تعقيدات إدارية وعقارية، في أفق تمكين المستفيدين الفعليين من حقوقهم وتعزيز الأمن العقاري والاستثمار الفلاحي بالعالم القروي.
ويبقى الرهان الحقيقي هو مدى قدرة السلطات الترابية والمصالح المعنية على ترجمة هذه التوجيهات إلى نتائج ملموسة، تضع حداً لتعثر الملفات وتضمن استفادة مستحقيها من هذا الورش في آجال معقولة.





