الرئسيةسياسة

تأجيل محاكمة شرقاب..من يحاسب اختلالات ابن رشد؟

أجلت محكمة الاستئناف بالدار البيضاء، أمس الاثنين، أولى جلسات محاكمة البروفيسور رشيد شرقاب، إلى جانب طبيب وتقني بالمركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد، إلى غاية 16 نونبر الجاري، وذلك لتمكين هيئة الدفاع من الاطلاع على وثائق الملف وإعداد وسائل دفاعها.

وجاء قرار التأجيل استجابة لطلب يرمي إلى توفير الوقت الكافي للدفاع للاطلاع على تفاصيل المتابعة، في وقت طالب فيه محامو المتهمين بتمتيع البروفيسور شرقاب ومن معه بالسراح المؤقت، في انتظار استكمال أطوار المحاكمة الاستئنافية.

ويأتي هذا التطور بعدما أصدرت المحكمة الابتدائية الزجرية بعين السبع أحكاما حبسية نافذة في حق المتابعين الثلاثة في هذا الملف، قضت بسنتين حبسا نافذا وغرامة مالية قدرها خمسة آلاف درهم في حق المتهم الأول (ع.ص)، وسنة واحدة حبسا نافذا وغرامة مماثلة في حق البروفيسور رشيد شرقاب، فيما أدين المتهم الثالث (م.أ)، وهو تقني، بستة أشهر حبسا نافذا وغرامة مالية قدرها ألفا درهم.

وتعيد الجلسة الاستئنافية المرتقبة في 16 نونبر القضية إلى واجهة النقاش، ليس فقط بسبب العقوبات الصادرة في المرحلة الابتدائية، وإنما أيضا بالنظر إلى طبيعة الملف والجدل الذي رافق ظروف متابعته، وما أثاره من تساؤلات بشأن ضمانات الدفاع وحرية التبليغ عن الاختلالات داخل المؤسسات الصحية العمومية.

أحكام حبسية ثقيلة تفتح النقاش حول خلفيات الملف

لم تتوقف تداعيات الأحكام الصادرة في قضية المركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد عند حدود المتابعة القضائية للمتهمين الثلاثة، بل امتدت إلى نقاش أوسع حول السياق الذي تفجرت فيه القضية، خاصة في ظل وجود شكاوى وانتقادات سابقة مرتبطة بتدبير المستشفى، والتي ما تزال، بحسب ما أثير بشأنها، في حاجة إلى توضيحات وأجوبة من الجهات المعنية.

وفي هذا السياق، اعتبر متابعون أن خطورة الملف لا تكمن فقط في طبيعة العقوبات الحبسية، وإنما أيضا في ضرورة التأكد من احترام جميع الضمانات القانونية، بما فيها حق المتهمين في الاطلاع على الملف وإعداد دفاعهم، فضلا عن عدم الخلط بين المساءلة القضائية المشروعة وأي تضييق محتمل على حق الأطر الصحية في التعبير عن الاختلالات التي قد تعرفها المؤسسات التي يشتغلون بها.

وكان مصطفى الكيحل، الأمين العام للاتحاد الديمقراطي للشغل، قد عبر في وقت سابق، عن استغرابه من الأحكام الصادرة، مشيرا إلى أن دفاع المتهمين لم يتمكن، بحسب روايته، من الاطلاع على ملف المتابعة، وهو ما اعتبره مساسا بضمانات المحاكمة العادلة.

وتضع هذه الملاحظة مسألة الولوج إلى وثائق الملف وحقوق الدفاع في صلب النقاش، خصوصا أن المحاكمة المنصفة لا تقتصر على إصدار الأحكام، وإنما تستوجب تمكين الأطراف من ممارسة حقوقهم القانونية كاملة، والاستماع إلى دفوعاتهم ومناقشة وسائل الإثبات المعتمدة في مواجهتهم.

الغلوسي يربط القضية بمخاطر تراجع مكافحة الفساد

ومن زاوية أخرى، سلط محمد الغلوسي ، رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام،مع بداية القضية  الضوء على وضعية البروفيسور رشيد شرقاب، الطبيب السابق بقسم الإنعاش والتخدير بمستشفى ابن رشد بالدار البيضاء، معبرا عن تضامنه معه، ومحذرا مما وصفه بتنامي نفوذ لوبيات الفساد وتراجع الإرادة الحقيقية لمحاربته.

ويرى الغلوسي أن القضية تثير أسئلة تتجاوز المسؤولية الجنائية للأشخاص المتابعين، لتلامس طبيعة التعامل مع التبليغ عن الاختلالات المحتملة داخل المرافق العمومية، ومدى قدرة المؤسسات على توفير الحماية اللازمة لمن يثيرون قضايا مرتبطة بالتدبير والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.

ويستحضر هذا الموقف النقاش المتجدد حول العلاقة بين حماية المرفق الصحي من الاختلالات، وضمان عدم تحويل آليات المساءلة القانونية إلى وسيلة لتقييد الأصوات التي تطالب بالإصلاح والمحاسبة. غير أن الحسم في الوقائع المنسوبة إلى المتابعين يظل من اختصاص القضاء، بناء على ما يعرض أمامه من أدلة ودفوعات.

المادة الثالثة من قانون المسطرة الجنائية.. هل تقيد تحريك أبحاث جرائم المال العام؟

وفي امتداد لهذا النقاش، انتقل الغلوسي إلى إثارة إشكال قانوني ومؤسساتي يتعلق بالمادة الثالثة من قانون المسطرة الجنائية، معتبرا أن المقتضيات الجديدة تطرح قيودا على تحريك الأبحاث والمتابعات القضائية في جرائم المال العام.

وأوضح، وفق قراءته لهذه المادة، أن تحريك الأبحاث في هذا النوع من الجرائم أصبح مرتبطا بالتوصل بتقارير صادرة عن جهات رسمية، من قبيل وزارة الداخلية ووزارة المالية والمجلس الأعلى للحسابات، تكون مشفوعة بطلب تحريك الأبحاث القضائية.

وانتقد الغلوسي ما اعتبره ربطا لمبادرة النيابة العامة بإرادة جهات إدارية قد تكون بعض تصرفاتها أو ممارساتها نفسها موضوع شبهات واختلالات تستوجب البحث والتدقيق، متسائلا عن حدود استقلالية تحريك الأبحاث عندما يتعلق الأمر بملفات الفساد المالي والإداري.

وتتمثل الإشكالية التي يثيرها هذا الموقف في مدى قدرة النيابة العامة على الاضطلاع بدورها في حماية المال العام، إذا أصبحت مباشرة الأبحاث في بعض الجرائم مشروطة بمبادرة جهات إدارية، وما إذا كان هذا التنظيم يوفر ضمانات كافية لمنع تضارب المصالح أو تعطيل المساءلة.

بين المساءلة القضائية وحماية المبلغين.. القضية أكبر من ثلاثة متابعين

تكشف قضية البروفيسور رشيد شرقاب عن تقاطع ثلاثة مستويات من النقاش: المستوى القضائي المرتبط بالتهم والأحكام وحقوق الدفاع، والمستوى المؤسساتي المتصل بتدبير المستشفى الجامعي ابن رشد، ثم المستوى الحقوقي الذي يطرح مسألة حماية الأطر الصحية والنقابية عندما تثير اختلالات داخل المرافق العمومية.

فمن جهة، لا يمكن التعامل مع أي متابعة قضائية باعتبارها استهدافا تلقائيا للتبليغ أو فضح الفساد، كما لا يمكن اعتبار صدور أحكام ابتدائية نهاية للنقاش حول سلامة الإجراءات والضمانات القانونية.

فقرينة البراءة وحق الدفاع والمحاكمة العادلة مبادئ لا تتجزأ، ويتعين احترامها في جميع مراحل التقاضي.

ومن جهة ثانية، فإن معالجة الاختلالات المحتملة داخل مؤسسة صحية بحجم المركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد لا ينبغي أن تقتصر على متابعة أشخاص أمام القضاء، بل تستدعي أيضا توضيح طبيعة الشكاوى السابقة، والتحقيق في ما أثير بشأن تدبير المؤسسة، وترتيب المسؤوليات عند ثبوت أي تجاوزات.

أما الإشكال الثالث، فيتعلق بموقع النيابة العامة في منظومة مكافحة الفساد، وبمدى استقلالية المبادرة إلى البحث والتحقيق، خاصة عندما تكون الوقائع موضوع الشكاية مرتبطة بمؤسسات أو مسؤولين إداريين.

وبذلك، فإن جلسة 16 نونبر المقبلة لن تكون مجرد محطة إجرائية جديدة في مسار محاكمة ثلاثة متابعين، بل ستكون مناسبة لمتابعة ما ستكشف عنه من معطيات ودفوعات، ولتجديد النقاش حول ضمانات المحاكمة العادلة، وحق الأطر الصحية في إثارة الاختلالات، وضرورة إخضاع تدبير المؤسسات العمومية للمساءلة والشفافية.

فالمطلوب ليس تعطيل القضاء أو استباق أحكامه، وإنما ضمان ألا تتحول المساءلة القضائية إلى بديل عن المساءلة المؤسساتية، وألا تبقى الأسئلة المرتبطة بتدبير مرفق صحي عمومي دون أجوبة واضحة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى