
°تحرير: جيهان مشكور
في زمن تتسابق فيه الدول لإحكام قبضتها على مفاتيح الثورة الرقمية، يعلن المغرب دخوله معترك الذكاء الاصطناعي برؤية يسميها المسؤولون “المسار الثالث”،وهو توصيف يبدو جذاباً في خطابه لكنه يثير أسئلة عميقة حول مدى واقعيته وقدرته على الصمود أمام توازنات عالمية تتحكم فيها قوى تكنولوجية عملاقة، ففي قلب هذا التوجه، تؤكد أمل الفلاح السغروشني أن المملكة تطمح إلى ترسيخ موقعها كفاعل مرجعي في إفريقيا والشرق الأوسط، مستندة إلى مقاربة تزاوج بين التحديث التكنولوجي واحترام الخصوصيات المحلية.
“ذكاء اصطناعي صنع في المغرب” أم شعار تسويقي؟
يحمل المشروع عنوان “ذكاء اصطناعي صنع في المغرب” مايبدو رهاناً على السيادة الرقمية، لكنه في العمق يطرح معضلة بنيوية تتعلق بقدرة الاقتصاد الوطني على إنتاج تكنولوجيا تنافسية في ظل تبعية واضحة للبنى التحتية والبرمجيات الأجنبية.. فالحديث عن الابتكار المحلي يصطدم بضعف الاستثمار في البحث العلمي، وهشاشة منظومة الابتكار، واستمرار هجرة الكفاءات نحو الخارج، وبينما تسعى الدولة إلى تحفيز الشركات الناشئة، لا يزال التمويل الموجه للبحث والتطوير دون الطموحات المعلنة، ما يجعل شعار السيادة الرقمية أقرب إلى هدف بعيد المنال منه إلى مشروع قائم على أسس متينة.
الرأسمال البشري بين التكوين والتسرب
تعترف الاستراتيجية الرسمية بأن العنصر البشري هو قلب هذا التحول، وهو اعتراف مشروع، لكن الإشكال يبرز في فجوة المهارات الرقمية داخل سوق الشغل، وضعف تكامل منظومة التعليم مع حاجيات الاقتصاد الرقمي، فالجامعات المغربية بدأت بالفعل إدماج تخصصات في علوم البيانات والذكاء الاصطناعي، غير أن وتيرة التكوين لا تواكب سرعة الطلب، كما أن نسبة كبيرة من الكفاءات تفضل العمل خارج البلاد حيث الأجور وفرص البحث أكثر جاذبية، وهنا يظهر التناقض بين الطموح في خلق صناعة وطنية للذكاء الاصطناعي وبين واقع نزيف الأدمغة الذي يقوض هذا المشروع من جذوره.
تشريعات رقمية متقدمة أم إطار بيروقراطي جديد؟
في الجانب التشريعي، تبرز مبادرة “ديجيتال إكس.0” كخطوة لتأطير استخدامات الذكاء الاصطناعي وحماية المعطيات الشخصية، وهو توجه يتماشى مع المعايير الدولية، غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في سن القوانين، بل في فعاليتها وقدرتها على التطبيق دون أن تتحول إلى عائق أمام الابتكار.. فالتجارب الدولية أظهرت أن الإفراط في التنظيم قد يخنق الشركات الناشئة ويحد من دينامية السوق الرقمية، وهو ما يفرض على المغرب إيجاد توازن دقيق بين الحماية القانونية والمرونة الاقتصادية.
طموح إقليمي يصطدم بمنافسة شرسة
سعي المغرب لقيادة إفريقيا والشرق الأوسط في مجال الذكاء الاصطناعي يضعه في مواجهة مباشرة مع دول تستثمر مليارات الدولارات في هذا المجال، وتمتلك منظومات تكنولوجية متقدمة وبنية تحتية رقمية أكثر تطوراً، وبينما يراهن المغرب على موقعه الجغرافي واستقراره السياسي لجذب الاستثمارات، يبقى التحدي الأكبر في تحويل هذه المزايا إلى قوة إنتاجية حقيقية قادرة على خلق قيمة مضافة وليس مجرد استهلاك للتكنولوجيا المستوردة.
بين الخطاب والطموح: اختبار الزمن
اختار المغرب ان يحمل ملامح نموذج متوازن يجمع بين الأخلاقيات الرقمية والتنمية الاقتصادية، لكنه يظل رهيناً بمدى قدرة الدولة على تحويل الخطاب السياسي إلى سياسات عمومية فعالة وممولة بشكل مستدام، فالذكاء الاصطناعي ليس مجرد شعار تنموي، بل منظومة متكاملة تتطلب استثمارات ضخمة وإصلاحات عميقة في التعليم والاقتصاد والإدارة.. وفي غياب هذه الشروط، قد يتحول”المسار الثالث” إلى مجرد سردية سياسية جذابة، بدل أن يكون رافعة حقيقية لنهضة رقمية تضع المغرب في موقع الريادة الذي يطمح إليه.




