الرئسيةسياسة

لشكر وحساب الحكومة..وامتحان المعارضة

لشكر يفتح معركة الحساب.. لكن من يُحاسَب؟

مع انطلاق الحملة الانتخابية، اختار إدريس لشكر أن يضع «الحساب» في واجهة المعركة السياسية، داعياً الناخبين إلى معاقبة أحزاب الأغلبية على حصيلة خمس سنوات من التدبير الحكومي. غير أن قلب السؤال الانتخابي يقود إلى زاوية أكثر اتساعاً: إذا كانت الحكومة مطالبة بتقديم حساب عن قراراتها، أليست المعارضة بدورها مطالبة بتقديم حساب عن السنوات الخمس التي قضتها داخل البرلمان؟

فالمواطن لا ينتخب حكومة فقط، وإنما ينتخب أيضا برلمانا يفترض أن يراقبها ويحاسبها ويقترح البدائل. ومن هنا، فإن معركة الحصيلة لا يمكن أن تتوقف عند عزيز أخنوش وحلفائه، بل تمتد إلى الأحزاب التي اختارت موقع المعارضة، ومدى نجاحها في ممارسة هذا الدور فعليا.

من محاسبة الحكومة إلى محاسبة الجميع

يريد لشكر تحويل انتخابات 23 شتنبر إلى لحظة لمحاسبة الأغلبية، انطلاقا من قاعدة سياسية بسيطة: الأحزاب التي حكمت خمس سنوات يجب أن تدفع ثمن نتائج قراراتها.

لكن المنطق نفسه يمكن أن ينقلب على المعارضة. فطيلة الولاية الحكومية، لم يكن البرلمان مجرد فضاء لتسجيل المواقف، بل مؤسسة دستورية يفترض أن تكون فيها المعارضة قوة رقابية وسياسية قادرة على كشف الاختلالات، واقتراح البدائل، وتحويل الملفات الاجتماعية والاقتصادية إلى ضغط سياسي مستمر.

وهنا يطرح العديد من المحللين سؤالا لا يقل أهمية عن سؤال الحصيلة الحكومية: ماذا فعلت المعارضة خلال هذه السنوات؟ ويتسألون مثلا عن ذلك الإعلان الشهير للفريق الاشتراكي  في شهر مايو 2025 عن توقيف وتجميد أي تنسيق مع مكونات المعارضة البرلمانية بخصوص تفعيل ملتمس الرقابة لإسقاط الحكومة؟ وعن العديد من المسلكيات التي وسمت عمل الفريق بالضبابية وغياب الأثر.

الاتحاد الاشتراكي.. معارضة بلا بصمة واضحة؟

يضع لشكر اليوم الاتحاد الاشتراكي في موقع من يطالب الناخب بمحاسبة الأغلبية، لكن منتقدين ومحللين يرون أن صورة الحزب داخل المعارضة ظلت، طوال الولاية، أقل وضوحا مما يفترضه موقعه السياسي والتاريخي.

فالحزب لم يكن جزءا من الأغلبية، لكنه لم ينجح، وفق هذه القراءة، في بناء صورة معارضة ذات مشروع واضح ومستقل بما يكفي لتمييزها عن بقية مكونات المشهد البرلماني.

وهنا تكمن إحدى مفارقات خطاب «الحساب»: هل يمكن لحزب يطالب بمحاسبة الحكومة أن يتجنب في الوقت نفسه أسئلة المحاسبة حول أدائه هو داخل المعارضة؟

أغلبية تتقاذف الحصيلة

في المقابل، تبدو الحكومة اليوم أمام امتحان أكثر صعوبة، بعدما انتقلت أحزاب الأغلبية من خطاب الانسجام إلى سجال انتخابي يحاول فيه كل طرف إبراز ما يعتبره إنجازا وتحميل غيره مسؤولية التعثرات.

غير أن الناخب لا ينظر بالضرورة إلى هذه الحسابات الداخلية بالطريقة نفسها. فالأحزاب الثلاثة شاركت في اتخاذ القرار، وتقاسمت مواقع المسؤولية، ولذلك يصعب إقناع المواطن بأن نجاحا ما هو ملك حصري لحزب، بينما الإخفاق مسؤولية شريكه.

الأرقام تفرض نفسها على الخطابات

خلف هذا السجال الحزبي، تفرض المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية نفسها باعتبارها الاختبار الحقيقي للحصيلة.

فمعدل البطالة بلغ 13 في المائة سنة 2025، ووصل إلى 37.2 في المائة لدى الشباب بين 15 و24 سنة، فيما بلغ لدى النساء 20.5 في المائة. كما ارتفع معدل الشغل الناقص إلى 10.9 في المائة، بما يقارب 1.19 مليون شخص.

وهذه الأرقام تجعل سؤال الحساب يتجاوز لغة البرامج الانتخابية: هل تمكنت السياسات العمومية من تحويل النمو والاستثمار إلى وظائف مستقرة ودخل أفضل وأمان اجتماعي أكبر؟

5000 درهم.. بين الوعد والقدرة الشرائية

اختار لشكر أيضاً ملف الأجور مدخلاً لمهاجمة حصيلة الحكومة، خصوصاً وعد رفع الحد الأدنى للأجر إلى 5000 درهم.

لكن المقارنة بين الوعد والواقع تكشف فجوة تحتاج إلى تفسير. فالمعطيات الحكومية تشير إلى أن الحد الأدنى للأجر في القطاعات غير الفلاحية سيبلغ 3422.72 درهماً ابتداء من 2026، مقابل 2533.44 درهماً في الأنشطة الفلاحية.

وبذلك يتحول الرقم إلى سؤال سياسي واجتماعي أكبر: هل تكفي الزيادات الاسمية في الأجور إذا كانت القدرة الشرائية لا تزال تحت ضغط كلفة المعيشة؟

البطالة.. الاختبار الأصعب

أما ملف التشغيل، فيمثل الاختبار الأكثر إحراجاً لجميع الأطراف.

فالاقتصاد المغربي أحدث 193 ألف منصب شغل سنة 2025، في وقت فقد فيه القطاع الفلاحي 41 ألف منصب، بينما بقيت البطالة مرتفعة، خصوصاً في صفوف الشباب.

وهنا أيضاً لا يكفي أن تقدم الحكومة حصيلتها أو أن تقدم المعارضة انتقاداتها؛ فالسؤال الحقيقي هو: من يملك تصوراً قابلاً للتنفيذ لمعالجة أزمة سوق الشغل؟

معركة الحساب لا تستثني المعارضة

ربما تكمن أهمية خطاب لشكر الانتخابي في أنه أعاد «المحاسبة» إلى قلب المنافسة السياسية، لكن المفارقة أن هذا السلاح لا يمكن أن يصيب الأغلبية وحدها.

فبعد خمس سنوات، الحكومة مطالبة بتبرير قراراتها ونتائجها، لكن المعارضة مطالبة أيضاً بتبرير حضورها وأدائها وقدرتها على التأثير. وإذا كان من حق لشكر أن يسأل الأغلبية: ماذا فعلتم خلال خمس سنوات؟، فإن الناخب يستطيع أن يوجه السؤال نفسه إلى المعارضة: ماذا فعلتم أنتم خلال المدة ذاتها؟

السؤال الذي يقلب المعادلة

لهذا، قد لا تكون المعركة الانتخابية المقبلة مجرد مواجهة بين أحزاب تريد إسقاط الأغلبية وأخرى تريد الدفاع عن حصيلتها، بل اختباراً أوسع لمصداقية الطبقة السياسية برمتها.

فالحكومة لا تستطيع الاختباء خلف أرقام الاستثمار والنمو، كما أن المعارضة لا تستطيع الاحتماء وراء انتقاد الحكومة وحده، خصوصاً إذا ظل حضورها السياسي والرقابي موضع نقاش.

في النهاية، الحساب ليس للحكومة وحدها. الحساب أيضاً للمعارضة. والناخب الذي سيضع ورقته في الصندوق يوم 23 شتنبر قد لا يسأل فقط: ماذا أنجزتم؟ بل قد يسأل أيضاً: أين كنتم عندما كان عليكم أن تفعلوا؟

اقرأ أيضا…

الأغلبية تتصارع انتخابيا صراع أم تبادل أدوار؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى