
بوليتيكو: دعم أمريكا لإسرائيل يتراجع
تشهد العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل واحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ سنوات، في ظل تصاعد الانتقادات داخل الحزبين الديمقراطي والجمهوري، وتراجع مستويات التأييد الشعبي والسياسي لإسرائيل، بما يفرض تحديات غير مسبوقة على الحكومة الإسرائيلية وجماعات الضغط الداعمة لها في واشنطن.
تحركات سياسية وإعلامية مكثفة تقودها إسرائيل وحلفاؤها بأمريكا لاحتواء التراجع
وفي تقرير موسع، رصدته مجلة “بوليتيكو” وأعده كل من ناحال توسي ودانييلا تشيسلو، كشفت المجلة عن تحركات سياسية وإعلامية مكثفة تقودها إسرائيل وحلفاؤها في الولايات المتحدة لاحتواء هذا التراجع، وسط مخاوف متزايدة من انعكاساته على مستقبل العلاقات بين البلدين.
وبحسب التقرير، بلغت موجة الانتقادات ذروتها هذا الأسبوع بعدما صوّت أكثر من مئة نائب ديمقراطي في مجلس النواب لصالح مشروع قانون يدعو إلى وقف المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل، رغم عدم إقراره، بالتزامن مع اتهام نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس لإسرائيل بالوقوف وراء هجوم إلكتروني استهدفه، في تطور يعكس حجم التوتر المتصاعد بين الجانبين.
اتساع دائرة الاستياء الأمريكي منذ هجمات السابع من أكتوبر
وأوضحت المجلة أن الرد الإسرائيلي لا يجري عبر حملة موحدة، بل من خلال مسارات متوازية تشمل تكثيف الاتصالات مع أعضاء الكونغرس، وزيادة الإنفاق السياسي لدعم المرشحين المؤيدين لإسرائيل، إلى جانب التحضير لزيارة محتملة لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى الولايات المتحدة خلال الأسابيع المقبلة، وفق ما نقلته عن مسؤولين إسرائيليين وقيادات في منظمات داعمة لإسرائيل.
ورأت “بوليتيكو” أن خصوصية العلاقة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة تجعل الأزمة الحالية مختلفة عن الخلافات السابقة، خاصة مع اتساع دائرة الاستياء الأمريكي منذ هجمات السابع من أكتوبر، لتشمل الحرب في قطاع غزة، والتطورات في الضفة الغربية، والسياسات الإسرائيلية تجاه إيران.
وأشار التقرير إلى أن استطلاعات الرأي الأخيرة تعكس تراجعًا واضحًا في التأييد الشعبي لإسرائيل داخل الولايات المتحدة، وهو تحول بدأ ينعكس تدريجيًا على مواقف السياسيين في الحزبين، مع تنامي الانتقادات داخل الكونغرس وتزايد الأصوات المطالبة بإعادة النظر في طبيعة الدعم الأمريكي.
ولفتت المجلة إلى أن اقتراب الانتخابات الإسرائيلية يزيد من تعقيد جهود تل أبيب لصياغة استراتيجية طويلة المدى لإعادة ترميم صورتها في واشنطن، في ظل الغموض الذي يكتنف مستقبل حكومة بنيامين نتنياهو.
الأولوية بالنسبة لاسرائيل تتمثل في الحفاظ على شبكة الحلفاء السياسيين
وفي هذا السياق، تركز منظمات يهودية مؤيدة لإسرائيل على تحصين علاقاتها مع الحلفاء داخل المؤسسات الأمريكية. وأوضحت المجلة أن مركز الاتحاد الأرثوذكسي للمناصرة دعا أعضاءه إلى التواصل مع النواب الديمقراطيين الذين عارضوا مشروع قانون وقف المساعدات العسكرية، بينما أكد مديره التنفيذي ناثان ديامنت أن الأولوية تتمثل في الحفاظ على شبكة الحلفاء السياسيين.
كما نقل التقرير عن الرئيس التنفيذي للجنة اليهودية الأمريكية، تيد دويتش، أنه كثف لقاءاته مع أعضاء الكونغرس، وأن منظمته وزعت خطة لمواجهة معاداة السامية على النواب وموظفيهم ضمن جهودها الرامية إلى تعزيز الدعم لإسرائيل.
وفي موازاة ذلك، يسعى المسؤولون الإسرائيليون إلى تعزيز حضورهم في العاصمة الأمريكية. وأشارت المجلة إلى أن وزير الخارجية جدعون ساعر يزور الولايات المتحدة للمشاركة في اجتماعات تتناول ما تصفه إسرائيل بتصاعد أعمال العنف المرتبطة بجماعات اليسار المتطرف، فيما يواصل السفير الإسرائيلي لدى واشنطن، يحيئيل ليتر، عقد لقاءات دورية مع أعضاء الحزبين، إلى جانب استخدام منصات التواصل الاجتماعي للدفاع عن السياسات الإسرائيلية.
وأكد التقرير أن الضغوط على إسرائيل لم تقتصر على تصويت مجلس النواب أو تصريحات نائب الرئيس الأمريكي، بل امتدت إلى مواقف شخصيات ديمقراطية بارزة.
فقد اتهم النائب رو خانا، أحد الأسماء المطروحة للسباق الرئاسي، مستوطنين وجنودًا إسرائيليين باحتجازه فعليًا خلال زيارة إلى الضفة الغربية، بينما حذر رام إيمانويل، المرشح الديمقراطي المحتمل للرئاسة، خلال خطاب ألقاه داخل إسرائيل، من احتمال تعرضها لعقوبات أو فقدان الدعم العسكري الأمريكي إذا استمرت أعمال العنف ضد الفلسطينيين.
ورد السفير الإسرائيلي يحيئيل ليتر على تصريحات خانا، متهمًا النائب الأمريكي بعدم التنسيق مع السلطات الإسرائيلية قبل زيارته للضفة الغربية.
وترى “بوليتيكو” أن قطاعات واسعة داخل الحزب الديمقراطي والرأي العام الأمريكي أصبحت أقل استجابة لحملات تحسين صورة إسرائيل، معتبرة أن أدوات الضغط التقليدية فقدت جزءًا كبيرًا من فعاليتها.
ونقلت المجلة عن نيد برايس، المسؤول السابق في إدارتي باراك أوباما وجو بايدن، قوله إن الأزمة الحالية لا يمكن تجاوزها عبر حملات ضغط أو إنفاق سياسي، لأن جذورها ترتبط بالسياسات التي تنتهجها الحكومة الإسرائيلية نفسها.
استطلاعات الرأي أظهرت تراجعًا في مستويات الدعم لإسرائيل
وأضاف التقرير أن استطلاعات الرأي أظهرت تراجعًا في مستويات الدعم لإسرائيل بين الديمقراطيين والجمهوريين على السواء، مدفوعًا بتزايد تعاطف الأجيال الشابة مع الفلسطينيين، وباتساع تيار داخل الحزب الجمهوري يرفض الانخراط في صراعات خارجية طويلة، بما فيها المواجهة الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية.
وفي هذا الإطار، واصلت جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، وفي مقدمتها لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية “أيباك” والتحالف الجمهوري اليهودي، توجيه موارد مالية كبيرة لدعم المرشحين الأكثر تأييدًا لإسرائيل، ومواجهة المرشحين الذين تعتبرهم أقل التزامًا بهذا الموقف.
ورجحت المجلة أن تشهد الأيام المقبلة تصعيدًا في الجهود الرامية إلى احتواء الأزمة، مع استعداد نتنياهو لزيارة الولايات المتحدة، والتي قد تتزامن مع مراسم تأبين السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، وفقًا لمسؤول إسرائيلي.
كما يستعد التحالف الجمهوري اليهودي لعقد اجتماع في لاس فيغاس الشهر المقبل، وسط توقعات بمشاركة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونائبه جيه دي فانس، حيث سيكون تراجع التأييد للعلاقات الأمريكية الإسرائيلية داخل الأوساط الجمهورية من أبرز الملفات المطروحة.
ترامب لا يزال أحد أبرز الداعمين لإسرائيل
وأشار التقرير إلى أن ترامب لا يزال أحد أبرز الداعمين لإسرائيل، سواء من خلال قرارات اتخذها خلال ولايته الأولى، مثل الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، أو عبر مواقفه الحالية، مع حرصه في الوقت ذاته على تجنب إطالة أمد أي مواجهة عسكرية مع إيران بسبب تداعياتها الاقتصادية.
وفي المقابل، بدأت بعض المنظمات المؤيدة لإسرائيل توجيه رسائل تحذير مباشرة إلى حكومة نتنياهو. فقد اعتبرت منظمة “الأغلبية الديمقراطية من أجل إسرائيل” أن تصويت مجلس النواب يمثل “جرس إنذار”، داعية الحكومة الإسرائيلية إلى اتخاذ خطوات عملية لإصلاح علاقتها بالحزب الديمقراطي.
وأوضحت المنظمة أن قطاعًا متزايدًا من الديمقراطيين بات يشعر بالغضب من سياسات الحكومة الإسرائيلية، بسبب التوسع الاستيطاني، والعنف ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، والدمار الواسع في قطاع غزة، إضافة إلى نفوذ الأحزاب اليمينية المتشددة داخل الائتلاف الحاكم.
أي تحسن حقيقي سيظل مرهونًا بإحداث تغييرات جوهرية في السياسات الإسرائيلية
كما أشار التقرير إلى ما نشرته مجلة “تايم” بشأن حملة تأثير إسرائيلية استهدفت قاعدة مؤيدي ترامب، قيل إنها كلفت ملايين الدولارات، فيما اعتبرها نائب الرئيس جيه دي فانس محاولة للتأثير على جهوده الدبلوماسية تجاه إيران.
ولفتت “بوليتيكو” أيضًا إلى أن السفير الإسرائيلي في واشنطن أصدر في مايو الماضي كتيبًا بعنوان “صناعة فرية الدم الحديثة: الإبادة الجماعية والمجاعة ولغة نزع الإنسانية”، بهدف دحض الاتهامات الموجهة لإسرائيل بشأن عملياتها العسكرية في قطاع غزة.
واختتمت المجلة تقريرها بالقول إن الانتخابات المقبلة في كل من الولايات المتحدة وإسرائيل تضيف مزيدًا من التعقيد إلى جهود إعادة ترميم العلاقات بين البلدين، معتبرة، نقلًا عن مسؤولين أمريكيين سابقين وخبراء، أن أي تحسن حقيقي سيظل مرهونًا بإحداث تغييرات جوهرية في السياسات الإسرائيلية، ولا سيما في الضفة الغربية وقطاع غزة، وهو ما يبدو صعب التحقيق في ظل تركيبة الائتلاف الحكومي الحالي في إسرائيل.





