
في مشهد سياسي يعكس استمرار التداخل بين منطق الاستمرارية وخطاب التغيير، وجّه فريق التجمع الوطني للأحرار رسالة سياسية إلى حزب الأصالة والمعاصرة، مفادها أن الحكومة الحالية تسير على النهج نفسه الذي رسمته حكومة عزيز أخنوش، دون أن تظهر، بحسب موقف الفريق التجمعي، مؤشرات واضحة على تغيير جوهري في المسار الحكومي.
وأكد الفريق التجمعي، في معرض موقفه من التوجهات الحكومية، أن ما يجري تنزيله اليوم لا يخرج، في جوانب عديدة، عن الاختيارات التي اعتمدتها الحكومة السابقة، معبّراً عن أمله في أن تحافظ الحكومة الحالية على المكتسبات التي تحققت خلال الولاية الماضية، وأن تواصل الأوراش التي انطلقت في عهد عزيز أخنوش.
ويحمل هذا الموقف أكثر من دلالة سياسية، خصوصاً أن التجمع الوطني للأحرار انتقل من قيادة الحكومة إلى موقع مختلف، بينما أصبح حزب الأصالة والمعاصرة في واجهة التجربة الحكومية الجديدة. وهو تحول يفتح الباب أمام مساءلة طبيعة الاختلاف بين المرحلتين، ومدى قدرة الحكومة الحالية على تقديم أجوبة جديدة عن الإشكالات الاقتصادية والاجتماعية التي ما تزال تؤرق المواطنين.
الأحرار يدافعون عن حصيلة أخنوش
ويبدو أن التجمع الوطني للأحرار يريد، من خلال هذا الموقف، التأكيد أن عدداً من الأوراش التي تواصل الحكومة الحالية الاشتغال عليها لم تبدأ مع المرحلة الجديدة، بل تعود إلى البرنامج الحكومي السابق، الذي وضع الحماية الاجتماعية والدعم الاجتماعي المباشر وإصلاح الصحة والتعليم ضمن أولوياته.
ومن هذا المنطلق، فإن مطالبة الأحرار حكومة الأصالة والمعاصرة بالحفاظ على المكتسبات السابقة تعكس تمسك الحزب بحصيلته الحكومية، وحرصه على إبراز استمرارية البرامج التي أُطلقت خلال فترة قيادته للحكومة.
غير أن هذا الموقف يطرح سؤالاً سياسياً مشروعاً: إذا كانت الحكومة الحالية تواصل المسار نفسه، فما الذي يميز تجربتها عن تجربة حكومة أخنوش؟ وهل يتعلق الأمر باستمرارية طبيعية للسياسات العمومية، أم أن التغيير المعلن لم يترجم بعد إلى اختيارات جديدة واضحة؟
فاستمرار الإصلاحات لا يعني بالضرورة غياب التجديد، كما أن القطع مع كل ما سبق ليس معياراً لنجاح أي حكومة. لكن من حق المواطنين أن يعرفوا ما الذي تغير فعلياً، وما الذي ستضيفه الحكومة الحالية إلى البرامج القائمة، خصوصاً في الملفات التي ترتبط مباشرة بالقدرة الشرائية والتشغيل وجودة الخدمات العمومية.
بين استمرارية السياسات وغياب البديل
وتكتسي هذه الرسالة أهمية خاصة في ظل استمرار التحديات المرتبطة بارتفاع تكاليف المعيشة، وصعوبة الولوج إلى فرص الشغل، وتفاوت جودة الخدمات الصحية والتعليمية، فضلاً عن الانتظارات المتزايدة المرتبطة بتعميم الحماية الاجتماعية وتحسين أوضاع الفئات الهشة.
فالمواطن الذي يتابع النقاش السياسي لا ينشغل فقط بهوية الحزب الذي يقود الحكومة، ولا بالأسماء التي تتصدر المشهد، بقدر ما ينتظر نتائج ملموسة تنعكس على حياته اليومية. ولذلك، فإن الحديث عن الحفاظ على المكتسبات ينبغي أن يقترن بتوضيح كيفية تطويرها، ومعالجة الاختلالات التي ظهرت أثناء تنزيلها، وتقديم ضمانات بأن المرحلة الجديدة ستأتي بإجابات أكثر فعالية عن الإشكالات القائمة.
ومن هذه الزاوية، يصبح التحدي أمام حزب الأصالة والمعاصرة أكبر من مجرد مواصلة الأوراش التي انطلقت في عهد الحكومة السابقة؛ إذ يتعين عليه توضيح بصمته الخاصة، وتحديد أولوياته، وإبراز الإجراءات التي يعتزم اعتمادها لتجاوز الصعوبات التي لم تنجح السياسات السابقة في معالجتها بالقدر المنتظر.
من يحاسب من على الحصيلة الحكومية؟
في المقابل، يضع موقف التجمع الوطني للأحرار الحزب أمام مسؤولية سياسية لا تقل أهمية، تتمثل في الدفاع عن حصيلة حكومته السابقة استناداً إلى نتائج قابلة للتقييم، وليس فقط إلى استمرار البرامج التي أطلقتها. فالإشارة إلى المكتسبات تقتضي تحديد طبيعتها وحجم أثرها، مثلما أن المطالبة باستمرارها تستدعي الاعتراف بما قد يكون رافق تنفيذها من صعوبات واختلالات.
كما أن انتقال الأحرار إلى موقع جديد في المشهد الحكومي يفتح نقاشاً حول حدود الاستمرارية والاختلاف بين الأحزاب. فإذا كانت الاختيارات الكبرى تحظى باستمرار التوافق، فإن السؤال المطروح يتعلق بمساحة الاختلاف في طرق التدبير، وتوزيع الأولويات، وتقييم النتائج، ومدى قدرة كل مكون سياسي على تقديم تصور مميز داخل التجربة الحكومية.
ولا يتعلق الأمر بضرورة تغيير السياسات لمجرد إظهار الاختلاف، بل بمدى قدرة الحكومة الحالية على إثبات أن الاستمرارية لا تعني الجمود، وأن الحفاظ على الأوراش السابقة يمكن أن يترافق مع تصحيح الاختلالات وتطوير آليات التنفيذ.
المواطن ينتظر نتائج لا مجرد تبادل للرسائل
في نهاية المطاف، تكشف هذه الرسالة السياسية عن سؤال يتجاوز العلاقة بين التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة، ليصل إلى جوهر الممارسة الحكومية: كيف يمكن الجمع بين استمرارية الدولة والبرامج العمومية من جهة، وتجديد السياسات والاستجابة للانتظارات الاجتماعية من جهة أخرى؟
فالمطلوب ليس الدخول في سباق لتسجيل النقاط السياسية أو نسب المكتسبات إلى هذا الحزب أو ذاك، وإنما تقديم حصيلة واضحة وشفافة، وتحديد المسؤوليات، وربط الوعود بمؤشرات عملية يمكن للمواطنين تتبعها ومساءلة المسؤولين بشأنها.
وبين تأكيد الأحرار أن الحكومة الحالية تواصل مسار أخنوش، وانتظار المواطنين تغييراً يلمسونه في حياتهم اليومية، تبقى حكومة الأصالة والمعاصرة مطالبة بإبراز ما ستضيفه إلى ما سبق، فيما يظل التجمع الوطني للأحرار مطالباً بتوضيح حصيلة تجربته السابقة بالأرقام والنتائج.
ففي السياسة، قد تتغير مواقع الأحزاب وتتبدل واجهات التدبير، لكن المعيار الحاسم يظل واحداً: ما الذي تغير فعلاً في حياة المواطنين؟




