
الفحص الطبي بـ150 درهماً..
أعادت المنظمة المغربية لحقوق الإنسان ومكافحة الفساد ملف كلفة العلاج في القطاع الخاص إلى واجهة النقاش الاجتماعي، بدعوتها إلى اعتماد تعريفة موحدة للفحص الطبي في حدود 150 درهما، ومراجعة تعويضات التغطية الصحية بما يتناسب مع المصاريف الفعلية التي يتحملها المرضى، ولا تقف أهمية هذا المقترح عند تحديد ثمن الاستشارة، بل تمتد إلى سؤال أعمق: ما جدوى توسيع التغطية الصحية إذا ظل الولوج إلى العلاج يفرض على الأسر أداء مبالغ تفوق قدرتها؟
حين تتحول التغطية إلى إنفاق من جيب المواطن
تؤكد الأمانة العامة للمنظمة أن مطلبها يستند إلى مسؤولية حقوقية تروم صون كرامة المواطن وحماية قدرته الشرائية، في ظل ارتفاع كلفة الفحوصات والخدمات الطبية، ويمنح الواقع المالي لهذا النقاش ثقلاً إضافياً؛ فالحسابات الوطنية للصحة، الصادرة عن وزارة الصحة والحماية الاجتماعية برسم 2022، سجلت نفقات صحية إجمالية بلغت 81.7 مليار درهم، بما يعادل 6.1% من الناتج الداخلي الخام، ورغم تراجع حصة الأداء المباشر للأسر من 45.6% سنة 2018 إلى 38% سنة 2022، فإن النسبة تعني أن الأسر ما تزال تتحمل جزءاً كبيراً من تمويل العلاج من مواردها الخاصة.
ولا يظهر هذا العبء في ثمن الاستشارة وحده؛ إذ قد تتبعها تحاليل وأشعة وأدوية وتنقلات، فتتحول زيارة الطبيب إلى سلسلة مصاريف يصعب على ذوي الدخل المحدود استيعابها، وهنا تكتسب دعوة المنظمة إلى سقف موحد أهمية اجتماعية، لأنها تطرح مسألة وضوح الأسعار وإمكانية توقع كلفة العلاج قبل تحمله.
فجوة التعويض.. من يؤدي الفرق؟
ودعا عبد الرحمن خنوس، الأمين العام للمنظمة، إلى نقاش جاد حول أسعار الخدمات الصحية الخاصة ومدى ملاءمتها للإمكانيات المادية لمختلف الفئات، مع مراجعة تعويضات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، فالمشكل لا يرتبط فقط بما يتقاضاه الطبيب، بل أيضاً بالفارق بين المبلغ الذي يؤديه المريض وما يسترجعه وفق قواعد التعويض والتعريفة المرجعية المعمول بها.
وقد عرفت قواعد التعويض لدى CNSS مراجعات بموجب اتفاقيات 2020، من بينها رفع أساس التعويض عن الاستشارة إلى 150 درهماً لدى الطبيب العام و250 درهماً لدى الاختصاصي، وفق نطاق تلك الاتفاقيات. غير أن ذلك لا يلغي النقاش حول ملاءمة التعريفات مع الأسعار الفعلية، ولا يضمن تلقائياً اختفاء المبالغ المتبقية على عاتق المؤمن لهم.
الدولة الاجتماعية أمام امتحان الكلفة
وتضع هذه المطالب ورش تعميم الحماية الاجتماعية أمام اختبار يتجاوز توسيع قاعدة المنخرطين: هل يستطيع المواطن الاستفادة من حقه في العلاج دون أن يهدد ذلك توازن ميزانيته؟ فالإصلاح يقتضي معادلة لا تُحمّل المريض وحده كلفة الاختلال، ولا تتجاهل في المقابل تكاليف العيادات واستدامة تمويل الصناديق.
لذلك، فإن النقاش الذي تفتحه المنظمة ينبغي أن يجمع الدولة والصناديق والأطباء وممثلي المؤمنين حول مراجعة دورية وشفافة للتعريفات والتعويضات، فنجاح الدولة الاجتماعية لن يقاس بعدد بطاقات التغطية الموزعة، بل بقدرة أصحابها على دخول عيادة الطبيب ومغادرتها دون أن تتحول فاتورة العلاج إلى تهديد لمعيشتهم.





