
دعت الجمعية العلمية الوطنية للعلوم، التي تضم 12 جمعية مهنية، إلى إرساء مخطط استراتيجي وطني للتلقيح للفترة الممتدة بين 2027 و2030، في خطوة تروم تعزيز منظومة التمنيع بالمغرب، والحفاظ على المكتسبات الصحية المحققة، والوقاية من مخاطر عودة أمراض وبائية يمكن تفاديها عبر التلقيح.
وتأتي هذه الدعوة في سياق تزايد التحديات المرتبطة بالصحة العمومية، خاصة مع تنامي ظاهرة التردد بشأن اللقاحات وتراجع الإقبال على بعض برامج التمنيع، وهو ما يطرح، بحسب الجمعيات العلمية، ضرورة مراجعة المقاربة المعتمدة وتطوير آليات أكثر فعالية لضمان استمرارية التغطية التلقيحية.
إعادة هيكلة منظومة التلقيح وضمان توفر اللقاحات
وشددت التوصيات الصادرة عن الجمعيات العلمية على ضرورة إعادة هيكلة اللجنة التقنية للتلقيح، واعتماد معايير دقيقة وصارمة لتقييم جودة اللقاحات وتأهيلها قبل إدراجها ضمن البرنامج الوطني للتمنيع.
كما دعت إلى ضمان التزود المنتظم باللقاحات، تفاديا لحالات الخصاص والانقطاع التي قد تؤثر على استمرارية البرامج الصحية، مع اعتماد برمجة عقلانية وفعالة لتدبير مختلف اللقاحات المعتمدة.
وفي السياق ذاته، طالبت الجمعيات بإعداد توجيهات وطنية خاصة بتلقيح الأطفال الخدج، بما يراعي خصوصيتهم الصحية ويضمن حصولهم على الحماية اللازمة، إلى جانب إعادة الاعتبار للطب المدرسي باعتباره إحدى الآليات الأساسية لتوسيع التغطية التلقيحية وتتبع الوضعية الصحية للتلاميذ.
المدرسة والجامعة في صلب استراتيجية التمنيع
ومن بين المقترحات التي حملتها هذه التوصيات، اعتماد التحقق الإلزامي من دفاتر التلقيح عند تسجيل التلاميذ بالمؤسسات التعليمية، ووضع آليات منهجية لاستدراك الجرعات غير المستوفاة.
ولم تتوقف المقترحات عند التعليم المدرسي، بل امتدت إلى الجامعات، من خلال الدعوة إلى التحقق من الوضعية التلقيحية لحاملي شهادة البكالوريا عند التسجيل، والعمل على تحيين تلقيحاتهم، بما يعزز الوقاية الصحية داخل الفضاءات التعليمية.
وترى الجمعيات أن توسيع نطاق المراقبة والتتبع من شأنه الحد من الثغرات المسجلة في التغطية التلقيحية، وضمان عدم تحول المؤسسات التعليمية إلى بؤر محتملة لانتشار الأمراض المعدية.
التلقيح لم يعد مقتصرا على مرحلة الطفولة
وفي تحول لافت في المقاربة المقترحة، دعت الجمعيات إلى اعتماد سياسة تلقيح تمتد على مدار الحياة، بدل حصرها في مرحلة الطفولة، من خلال ضمان الجرعات التذكيرية للمراهقين والنساء الحوامل والبالغين الأكثر عرضة للمخاطر الصحية، فضلا عن كبار السن ومهنيي الصحة والمسافرين إلى المناطق التي تعرف انتشار أمراض معدية.
كما أكدت ضرورة تعزيز قدرات الوقاية والكشف والتدخل السريع خلال الأوبئة وحالات الطوارئ الصحية، مع تطوير آليات رصد بؤر انتشار الأمراض التي يمكن الوقاية منها بالتلقيح.
رقمنة دفاتر التلقيح ومواجهة التردد المجتمعي
وعلى المستوى الرقمي، اقترحت الجمعيات العلمية رقمنة دفتر التلقيح عبر منصة «مسار»، التي تتوفر على معطيات نحو 8 ملايين تلميذة وتلميذ، بما يسمح بتتبع وضعيتهم التلقيحية، وتحديد الحالات التي لم تستكمل الجرعات المقررة، والتدخل بشكل استباقي لمعالجة الاختلالات.
كما شددت على أهمية تكثيف حملات التواصل والتحسيس لمواجهة التردد بشأن اللقاحات، وتقليص عدد الأطفال الذين لم يستفيدوا من أي جرعة تلقيحية، إلى جانب تكوين وتحفيز مهنيي الصحة المشرفين على عمليات التلقيح، وتعزيز إشراك الجمعيات العلمية المتخصصة في اليقظة والترصد الوبائي.
ودعت أيضا إلى تشجيع البحث العلمي والابتكار في مجال تطوير اللقاحات، وتيسير استفادة المغرب من المستجدات العلمية، فضلا عن توحيد جدول التلقيح بين القطاعين العام والخاص لضمان انسجام الممارسات الطبية.
تحديات التنفيذ أمام وزارة الصحة
وتضع هذه التوصيات وزارة الصحة والحماية الاجتماعية أمام ورش استراتيجي يتجاوز مجرد توفير اللقاحات، ليشمل إصلاح آليات التدبير والتتبع، وتقوية الطب المدرسي، وتوسيع الفئات المستهدفة، وتطوير البحث العلمي والتواصل الصحي.
وبين الحفاظ على المكتسبات المحققة ومواجهة التحديات الوبائية الجديدة، يظل الرهان الأساسي هو تحويل هذه المقترحات إلى إجراءات عملية قابلة للتنفيذ والتقييم، بما يضمن استمرارية التمنيع ويحمي صحة المواطنين، ويحول دون عودة أمراض كان التلقيح قد ساهم في الحد من انتشارها.





