
كيشا لانس بوتومز..حين تصعد الذاكرة إلى الحكم
لم يكن الطريق الذي قاد كيشا لانس بوتومز إلى حكم ولاية جورجيا مجرد مسار انتخابي انتهى بفوز سياسي لافت، بل رحلة تختصر تحولات عميقة في التاريخ الأميركي، من زمن كانت فيه أصول الإنسان ولون بشرته يحددان مكانته وحقوقه، إلى لحظة تقف فيها امرأة منحدرة من عائلات عاشت العبودية على رأس السلطة التنفيذية في ولاية ارتبط اسمها طويلا بتاريخ الاسترقاق والتمييز العنصري.
بين أجدادها الذين انتُزعوا من القارة الأفريقية واقتيدوا إلى مزارع جورجيا، وحفيدتهم التي دخلت أبواب المؤسسات السياسية من مواقع القرار، تمتد حكاية كيشا لانس بوتومز. حكاية لا تفصل بين الصعود السياسي والذاكرة العائلية، ولا تنظر إلى الوصول إلى السلطة باعتباره إنجازاً فردياً معزولاً عن تاريخ طويل من الإقصاء والمقاومة وانتزاع الحقوق.
بفوزها في انتخابات حاكم ولاية جورجيا، صنعت بوتومز سابقة في تاريخ الولاية والولايات المتحدة، بعدما أصبحت أول امرأة سوداء تنتخب لهذا المنصب، وأول امرأة تتولى حاكمية جورجيا. وجاء انتصارها على رجل الأعمال الجمهوري ريك جاكسون، رغم الفارق الكبير في الإمكانات المالية بين المرشحين، ليمنح فوزها دلالة تتجاوز الحسابات الحزبية والانتخابية.
جذور عائلية تعود إلى زمن العبودية
ولدت كيشا لانس بوتومز في أتلانتا، المدينة التي ستصبح لاحقا مسرحا لصعودها السياسي، ونشأت في عائلة لها امتداد في الحياة الفنية والثقافية الأميركية.
والدها ميجر لانس، المغني المعروف في موسيقى السول، ذاع صيته خلال ستينيات القرن الماضي، وشارك في عروض افتتاحية لحفلات فرقة البيتلز.
لكن الجانب الأكثر تأثيرا في تشكيل وعيها الشخصي والسياسي ظل مرتبطا بتاريخ عائلتها الأفريقية الأميركية، وتحديدا بجذورها التي تمتد إلى أشخاص استُعبدوا وجُلبوا من أفريقيا إلى جورجيا خلال القرن الثامن عشر.

وتشير الروايات التي تناولت تاريخ عائلتها إلى أن بوتومز لا تستطيع تتبع جذورها إلا عبر خمسة أجيال، وصولا إلى شيبرد بيك، أحد أسلافها الذين تحرروا من العبودية في مزرعة بالقرب من كروفوردفيل.
وتشير بعض التقارير، التي اطلعنا عليها، إلى احتمال مشاركته في الهيئة التشريعية للولاية خلال مرحلة إعادة الإعمار التي أعقبت الحرب الأهلية.
أحمل «آمال العبد»، في إشارة إلى الأجيال التي عاشت الاستعباد
لم تكن هذه التفاصيل بالنسبة إلى بوتومز مجرد معلومات عن شجرة عائلية، بل جزءا من فهمها لتاريخ المكان الذي ولدت فيه، وللمسافة الهائلة التي قطعتها عائلتها بين الاستعباد والمشاركة في صناعة القرار السياسي.
وقد ظلت تستحضر هذه الذاكرة في محطات مختلفة من حياتها العامة.
ففي خطاب تنصيبها عمدة لأتلانتا سنة 2018، استعانت بأبيات من قصيدة للكاتبة والشاعرة الأميركية مايا أنجيلو، لتؤكد أن وصولها إلى المنصب يحمل في طياته أحلام أجيال سابقة حُرمت من أبسط الحقوق.
وقالت في خطابها إنها تقف أمام الحاضرين وهي تحمل «آمال العبد»، في إشارة إلى الأجيال التي عاشت الاستعباد ولم تتمكن من رؤية المستقبل الذي أصبح ممكناً لأحفادها.
جورجيا.. من مزارع العبيد إلى اختبار التاريخ
يصعب قراءة الانتصار السياسي لبوتومز بمعزل عن تاريخ جورجيا نفسها. فالولاية التي أصبحت اليوم إحدى أبرز ساحات التنافس الانتخابي الأميركي، كانت في بدايات تأسيسها مرتبطة بتجربة استثنائية في التعامل مع العبودية.
ففي ثلاثينيات القرن الثامن عشر، فرضت السلطات الاستعمارية حظرا على استعباد الأفارقة، متأثرة باعتبارات اقتصادية وأمنية، وبمحاولة الاعتماد على العمالة الفقيرة القادمة من بريطانيا.
غير أن الضغوط التي مارسها ملاك الأراضي، خصوصا مع توسع زراعة الأرز، دفعت إلى رفع الحظر سنة 1751، لتدخل جورجيا تدريجيا في منظومة تجارة الرقيق الأفريقية.
ومع مرور السنوات، أصبحت الولاية من أبرز مراكز الاقتصاد الزراعي القائم على استغلال العبيد في مزارع القطن والتبغ وغيرها من المحاصيل.
كما كانت إحدى ساحات الحرب الأهلية الأميركية بين عامي 1861 و1865، التي انتهت بإلغاء العبودية، دون أن يعني ذلك نهاية التمييز ضد الأميركيين من أصول أفريقية.
المرأة التي تعود أصول عائلتها إلى أشخاص استُعبدوا
فقد دخلت جورجيا بعد ذلك مرحلة طويلة من الفصل العنصري، اتسمت بتقييد حقوق السود، وحرمانهم من المشاركة السياسية، فضلا عن العنف والتمييز اللذين ظلا حاضرين في الحياة اليومية لعقود.
ومن هذه الخلفية التاريخية تحديدا تكتسب تجربة بوتومز معناها الرمزي. فالمرأة التي تعود أصول عائلتها إلى أشخاص استُعبدوا في مزارع الولاية، أصبحت اليوم صاحبة القرار في واحدة من أهم مؤسساتها السياسية.
ذاكرة لا تخفيها.. وألم تحول إلى طموح
لا تتعامل بوتومز مع ماضي عائلتها باعتباره عبئا ينبغي إخفاؤه، بل تجعله جزءا من خطابها العام وهويتها السياسية. وفي حديث سابق لمجلة «فوغ»، توقفت عند سجل تاريخي لأحد أسلافها، كانت قيمته المالية المقدرة في زمن العبودية تبلغ 1500 دولار.
وقد استحضرت ما يعنيه أن يتحول الإنسان إلى رقم في سجل تجاري، وأن تقاس حياته وقيمته بمبلغ من المال، متحدثة عن مشاعر الغضب والإذلال والألم التي يثيرها ذلك التاريخ.
لكن السؤال الذي ظل يشغلها، كما روت في المقابلة، هو كيف استطاع ذلك الإنسان أن يتجاوز تجربة الاستعباد القاسية، وأن يحتفظ بالأمل في مستقبل أفضل لأحفاده؟
تعتبر شهادات في حقها، أن ماضي وجدور عائلتها، كانت الإجابة التي استخلصتها مرتبطة بالإيمان بأن الأجيال القادمة يمكن أن تعيش واقعا مختلفا، وأن المستقبل قد يحمل ما لم يتمكن السابقون من تحقيقه لأنفسهم.
وهنا تتجاوز الذاكرة العائلية بعدها الشخصي لتصبح جزءا من تصور بوتومز للتغيير الاجتماعي والسياسي؛ فالتقدم، في نظرها، لا يقاس فقط بما يحققه جيل بعينه، وإنما أيضا بما يفتحه من إمكانات أمام الأجيال اللاحقة.
من بلدية أتلانتا إلى قلب المواجهة السياسية
يقال عنها، إنها و قبل وصولها إلى حاكمية جورجيا، راكمت بوتومز تجربة سياسية وإدارية في مدينة أتلانتا، التي تولت رئاسة بلديتها بين عامي 2018 و2022.
وكانت فترة توليها هذا المنصب حافلة باختبارات سياسية واجتماعية، خصوصا خلال احتجاجات سنة 2020 التي أعقبت مقتل جورج فلويد على يد أحد عناصر الشرطة في مدينة مينيابوليس بولاية مينيسوتا.
في تلك المرحلة، لم تكتف بوتومز بإصدار المواقف الرسمية من مكتبها، بل خرجت لمخاطبة المحتجين، معبرة عن تفهمها للغضب الذي اجتاح الشارع الأميركي، ومشددة في الوقت نفسه على ضرورة تحويل الاحتجاج إلى قوة سياسية قادرة على إحداث التغيير.
وكان خطابها واضحا ومباشرا، إذ حذرت من إحراق المدينة، معتبرة أن تدمير أتلانتا يعني الإضرار بالمجتمع نفسه، قبل أن توجه دعوتها إلى المحتجين للمشاركة في الانتخابات وتسجيل أسمائهم في قوائم الناخبين.
وقالت في رسالتها إن الطريق إلى تغيير أميركا يمر عبر صناديق الاقتراع، داعية إلى تحويل الغضب من التمييز والعنف إلى مشاركة سياسية منظمة.
وقد عكس هذا الموقف إحدى أبرز سمات شخصيتها السياسية: الجمع بين الاعتراف بشرعية الغضب الاجتماعي، والدفاع عن العمل المؤسساتي والانتخابي باعتباره وسيلة للتغيير.
السياسة باعتبارها طريقا لانتزاع الحقوق
لم يكن اهتمام بوتومز بالمشاركة السياسية منفصلا عن انخراطها في الفضاءات المدنية والاجتماعية التي نشأت تاريخيا للدفاع عن حقوق الأميركيين من أصول أفريقية.
فقد انضمت إلى جمعية «دلتا سيغما ثيتا»، إحدى أعرق الجمعيات النسائية الأميركية التي تأسست على يد نساء من أصول أفريقية، واضطلعت بأدوار في مجالات التعليم والعمل الاجتماعي والدفاع عن الحقوق المدنية.
وخلال الانتخابات الرئاسية الأميركية لسنة 2024، نظمت لقاء لأعضاء الجمعية مع المرشحة الديمقراطية كامالا هاريس، في خطوة عكست استمرار حضورها في التعبئة السياسية، خصوصاً داخل الأوساط النسائية والأفريقية الأميركية.
وتؤمن بوتومز بأن التمثيل السياسي ليس مجرد وصول أفراد من الفئات المهمشة إلى المناصب، بل ينبغي أن يتحول إلى مدخل لتوسيع المشاركة وضمان حضور هذه الفئات في صناعة القرار.
وهو تصور ينسجم مع خطابها الذي يربط بين تاريخ التمييز العنصري وضرورة الدفاع عن الحقوق عبر المؤسسات الديمقراطية.
انتصار على المال والانقسام
اكتسب فوز بوتومز أهمية إضافية بالنظر إلى طبيعة المنافسة الانتخابية والظروف التي أحاطت بها. فقد واجهت رجل الأعمال الجمهوري ريك جاكسون، الذي أنفق أكثر من 200 مليون دولار من ثروته الخاصة على حملته، وفق تقارير إعلامية أميركية.
ومع ذلك، تمكنت المرشحة الديمقراطية من حسم السباق، في نتيجة حملت رسالة سياسية بشأن حدود تأثير الثروة الشخصية في توجيه اختيارات الناخبين، خصوصا في ولاية تعد من أبرز ساحات التنافس بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري.
كما جاء انتصارها ليعزز موقع الديمقراطيين في ولاية ذات أهمية انتخابية كبيرة، وليعيد طرح سؤال التمثيل السياسي للنساء والأميركيين من أصول أفريقية في المؤسسات التنفيذية العليا.
وكانت بوتومز قد دعت، عشية الانتخابات، إلى الاختيار بين الأمل والخوف، وبين التقدم والانقسام، معتبرة أن اللحظة الانتخابية تتجاوز حدود التنافس على منصب سياسي، وأن نتائجها ستترك أثرا في مستقبل الولاية.
حين تصبح أبواب الماضي مفتوحة

نادرا ما تجعل بوتومز من كونها امرأة سوداء محورا وحيدا لخطابها السياسي، لكنها لا تتردد في استحضار تاريخ عائلتها كلما تعلق الأمر بالحديث عن التحولات التي عرفتها جورجيا.
وتروي أن جدها انتقل من ريف الولاية إلى أتلانتا، وكان يضطر إلى استعمال المداخل الخلفية لبعض المباني في وسط المدينة، بسبب قوانين وممارسات التمييز العنصري.
أما هي، فقد عادت إلى المباني نفسها في موقع مختلف، ودخلتها من أبوابها الأمامية بصفتها عمدة للمدينة.
إنها صورة تختزل مسافة تاريخية طويلة بين جيل كان يُمنع من الدخول من الباب الرئيسي بسبب لون بشرته، وجيل أصبحت إحدى نسائه تتولى قيادة الولاية.
ولعل هذا ما يجعل تجربة كيشا لانس بوتومز أكثر من مجرد سابقة انتخابية.
فهي تحمل في سيرتها تقاطعا بين الذاكرة العائلية والتحول الاجتماعي والصراع من أجل التمثيل السياسي.
وبينما تنظر إلى جذورها باعتزاز، تبدو مقتنعة بأن أفضل تكريم للأجيال التي عانت العبودية والتمييز هو ألا يتحول تاريخها إلى مجرد ذكرى، بل إلى حافز لمواصلة توسيع حدود المساواة والحقوق.
من سجل للعبودية قُدرت فيه حياة أحد أسلافها بـ1500 دولار، إلى قيادة ولاية أميركية كانت ذات يوم جزءاً من اقتصاد الاسترقاق، تمتد حكاية بوتومز باعتبارها وجها من وجوه التحول في التاريخ الأميركي؛ تحول لا يمحو ماضي العنصرية، لكنه يكشف أن الأبواب التي أغلقت طويلا أمام أحفاد المستعبدين لم تعد عصية على الفتح.





