حفريات في تاريخ مدينة الرياح .. تاسورت ..موكادور.. أو الصويرة: النشأة و الاسم

0

بقلم علال بنور

أكدت الدراسات الجغرافية ، أن موقع المدينة كانت له مقومات ضعيفة باستثناءمرفأ طبيعي توفره لها الجزيرة الواقعة على بعد 1500 م من الساحل ، لقد استوطن الفينيقيون تلك الجزيرة ، فاتخذوها محطة تجارية و مركزالإنتاج الاصباغ الارجوانية ، كما استقر فيها الرومان و بعدهمالبيزنطيون ، وفي سنة 1506 شيد البرتغال حصنا صغيرا على البحر ، رغم ان احتلالهم للمدينة لم يدم طويلا ، ومع ذلك انفرد البرتغال بمحاولة التوغل برا دون ان يكتب لهم فيها النجاح .

فاسم المدينة لازال موضوع نقاش لم يحسم فيه الى اليوم من طرف المؤرخين ، ومن المؤكد ان النطق الرسمي في المعاملات التجارية و النقود التي راجت في منتصف القرن 19 م هو الصويرة تكتب بحرف الصاد بعدما كان يكتب بحرف السين ، اذن فالاسم هو تصغير لكلمة الصورة ،وهناك من اعتبرها تصغيرا للسور .

كانت المدينة معروفة في اللغة الامازيغية التي يتكلمها اكثر من نصف السكان على الاقل باسم تسورت الذي يعني السور، اما الاجانب، فعرفوها باسم موكا دور وهو اسم ورد في خرائط القرن 14 م ، وهناك من يعتبر ان هذه التسمية الاخيرة تحريفا لاسم الولي مكدول الذي يوجد مدفنه قرب الشاطئ الواقع امام الجزيرة ، ولا زال موجودا الى اليوم .

تأسست مدينة الصويرة الجديدة 1764 م على يد السلطان المولى محمد بن عبد الله المتوفى 1780 م و بالمناسبة فهذا السلطان يمكن اعتباره مشيدا للمدن،مثل الجديدة و الدارالبيضاء ، باعتباراشرافه على بناء العديد من المدن الساحلية التي اخلاها المستعمر، لقد تعددت الروايات حول الهدف من انشاء هذه المدينة ، هناك من اعتبر ان السلطان انشأها لأتخادها مرسى بحريا رئيسيا في المغرب للتبادل التجاري مع اوربا ، فالاهتمام بمدينة الصويرة تجاريا في هذه المرحلة ، قلص من الدور التجاري لباقي المدن المينائية المغربية الشيء الذي جعلها في موقع ازمة، وهناك من اعتبر،اناهتمام السلطان بهذه المدينة تجاريا ، جاء تحت طلب التجار اليهود ، خصوصا ان بعضهم كانوا يشرفونعلى تجارة سلطان، ثم هناك رأي آخر يقول ان السلطان اسس المدينة لكي يتخذها مرسى ملكيا و مركزا لتجارته مع اوربا .

ذهب كتاب الحوليات الذين اهتموا بتاريخ الاسر المغربية الحاكمة الى ان انشاء مدينة الصويرة الجديدة ، كان قرارا جريئا به مجازفة باعتباران المجال الجغرافي فقير فلاحيا بمعنى عديم الخصوبة .

كما قارن المؤرخون الصويرة طبوغرافيا و اقتصاديا بالمدن الصينية التقليدية ، التي هيمن فيها حاكم البلاد على التجارة ، كذلك يمكن الاشارة ، أن هيمنة السلطان المغربي على التجارة ، لم تخرج عن قاعدة امراء اوربا خلال نهاية العصر الوسيط وبداية العصر الحديث ، وهكذا فتطبيقا للنموذج الصيني فان الصويرة بنيت وفق رقعة الشطرنج ، ينسب المؤرخون تصميمها الى المهندس الفرنسي ThEODORE CORNUT الذي كان مهندسا لملك فرنسا لويس 15 ، ثم هناك روايتين شفاهيتين تقولان ان الذى وضع تصميم المدينة هو مهندس ايطالي من مدينة جنوة اشرف على اعمال البناء ، اما الرواية الثانية فتنسب اعمال البناء الى مهندس انجليزي ، لكن بدون معرفتنا لأسمائهما .

جاءت المدينة شبيهة بالمراكز التجارية المحصنة

لقد خضع تصميم المدينة لتصميم خاص ، يقوم على الممرات الرئيسية و الاسواق و الاملاك المخزنية ، وفقا للنماذج الهندسية المشابهة لتصاميم مدن اوربا في عصر النهضة فى مرحلة دولة المدينة ، يمكن ان نسجل هنا ان مدينة الصويرة ، تعد من احدث المدن المغربية التي برزت في مرحلة ما قبل الاستعمار الفرنسي للمغرب ، إذن كانت رغبة السلطان من وراء انشاء الصويرة ، هو تركيز مجموع التجارة في مرسى واحد يخضع في تسييره للقصر السلطاني خضوعا مباشرا ، كما سبق الذكر ، فكانت هذه الرغبة ، قد جعلت مداخيل المخزن من الضرائب الجمركية جد مرتفعة و قارة ، وفي ذات الوقت تقوية النفوذ المخزني ماليا و رمزيا ، فاذا كان السلطان اشرف على بناء المرسى لهدف تجاري، و للحفاظ عليها و حمايتها ، انشأ مؤسسة عسكرية بها .لذلك جاءت المدينة شبيهة بالمراكز التجارية المحصنة التي كان قد شرع في بنائها الابيريون بالمدن الساحلية المغربية ، وهي حصون تتولى حاميات عسكرية حراستها .

كانت الاصول الاجتماعية للحاميات العسكرية متعددة ، منهم عبيد البخاري و قبائل حاحة و الشبانات ، لكن تشير بعض المصادر ان اصل الجند بالصويرة ، يرجع الى قبيلة بني عنتر و من سكان اكدير، ثم هناك مجموعة اتى بها السلطان من فاس ، وهم يعدون نخبة الجند وقيادته ، لماذا هذا التعدد في الاصول الاجتماعية للجند ؟ ولماذا قيادة العسكر وضعت بيد اهل فاس دون غيرهم ؟ نترك هذه الاسئلة للتفكير .

كما اشرف السلطان على تعمير الصويرة ، حيث اجبر سكان اكادير على الهجرة اليها ، وذلك منذ 1774 م .تؤكد العديد من المصادر ان الاشخاص الذين اختيروا للهجرة الى الصويرة رفضوا في البداية معلنين العصيان ، غير انهم فيما بعد ،وافقوا عندما تأكدوا من امكانية تحقيق مكاسب مالية من التجارة الى جانب مهامهم العسكرية ، بل منهم من قدم رشاوى ليضمن الخدمة في التجنيد بالصويرة .

ترجع الاصول القبلية لسكان الصويرة كذلك ، الى قبائل الشبانات واهل اكادير وبني عنتر من الاطلس الكبير ، ثم من الرحالة بمنطقة الاطلس الصغير ، فمن دوافع تعمير الصويرة ، هناك تفسيرين ، الاول يقول ان التعمير تم بقوة التهجير ، اما التفسير الثاني ، فيقول ان الازدهار التجاري الذي عرفه المرسى اغرى الوافدين بالهجرة الى المدينة .

اهتم السلطان بالمدينة ، حيت انشأ فيها المرافق و المؤسسات الدينية لإكساب المدينة مشروعية وجودها ، فجلب اليها العلماء لجعلها معقلا للحضارة على غرار نظام دولة المدينة باوربا في العصر الوسيط .فقسم المدينة الى احياء داخل سورها ، منها : حي الشبانات / حي البواخر / حي الملاح / حي اهل اكادير / حي بني عنتر ، اضافة الى ابواب منها باب دكالة و باب مراكش و باب المرسى، هذه الاسماء لها احالة تاريخية .

تعتبر التجارة السلطانية اساسا قوة الحياة و النمو ، ولكي تزدهر، اقدم المخزن على بناء الدور للسكن ومنح القروض وشجع على بناء الفنادق ، فالفندق كانت له وظيفة مبيتية و اقتصادية و امنية ، و خفض من الرسوم الجمركية للوافدين ، الشيء الذي شجع التجار اليهود للهجرة الى الصويرة من اكادير و فاس و مراكش و الرباط وسلا و تطوان ، لكننا لا نتوفر على تواريخ محددة ودقيقة لزمن الهجرة اليهودية الى المدينة ، لكن الظاهر انها حصلت ببضع سنين من بناء المدينة .فكان للتجار اليهود مكانة خاصة عند السلطان ، باعتبار انهم تجاره بمعنى كانوا يشرفون على تجارة السلطان وفي ذات الوقت يحمون تجارتهم الخاصة .فمن العوامل التي ساهمت في نجاح تجارتهم السلطنية وتجارتهم الخاصة ، كانوا يتكلمون عدة لغات اجنبية ، لم يقف الامر عند الوجود اليهودي فقط ، بل ظهرت جاليات اوربية تجارية من ايطاليا وهولندا و انجلترا والدنمارك والبرتغال حيت استقروا بالمدينة ، فبنيت لهم كنائس وسكنوا في احياء راقية معزولة عن المسلمين .

Leave A Reply