
لم تكن نيكوليتا بورتولوتي تتوقع أن يتحول آخر يوم لها في مراكش إلى مشهد سينمائي تختلط فيه السرعة والصرخة والسقوط… ثم النهوض من جديد، محاطة بما وصفته لاحقًا بـ “شبكة إنسانية مذهلة”.
قبل العاصفة
في زقاق هادئ بالمدينة العتيقة، كانت الكاتبة الإيطالية تقف مع زوجها ووالدها وزوجة والدها، يتسامرون قبل بدء جولة جديدة في قلب مراكش. الأزقة تضج بالحياة المعتادة، والبائعون يعرضون سلعهم بابتسامات خفيفة… لا شيء يوحي بأن اللحظة القادمة ستدوّن في ذاكرتها إلى الأبد.
لكن الدراجة النارية التي شقت الطريق بسرعة خاطفة كانت تحمل نية أخرى. سائقها يثبت المقود، ومرافقه يمد يده بخفة مدروسة نحو حقيبة نيكوليتا… لحظة شد واحدة، ثم سقوط عنيف على الأرض. ظلام كثيف، ثم لا شيء.
غضب الناس… ودور الفيديو
انتشر مقطع الحادثة كالنار في الهشيم. وسائل الإعلام والمواطنون انتفضوا غضبا، ليس فقط لما تعرضت له السائحة، بل خوفًا على صورة بلدهم التي يعرفون أنها أكبر من فعل فرد طائش بلصوصية متهورة.
وفي الوقت نفسه، كان الأمن المغربي يتحرك بسرعة غير مسبوقة، خلال ساعات فقط، أوقف شابًا في الـ29 من عمره بحوزته هاتف يشتبه أنه مسروق.
ومع تنسيق مع الدرك الملكي، جرى تحديد هوية شريكه وتوقيفه في ضواحي المدينة. التحقيقات مستمرة، والمشتبه الرئيسي يوجد خلف القضبان احتياطيًا ريثما تُستكمل فصول القضية.
حين بدأت الحكاية الحقيقية…
لكن بالنسبة لنيكوليتا، الحكاية الكبرى لم تكن السرقة، بل ما حدث بعدها.
تقول:

“رأيت كل شيء أسود… بل بنيًا. شعرت بألم شديد قبل أن أفقد الوعي.”
بعد سقوطها، رفعها زوجها بمساعدة أصحاب الدكاكين ورجل خرج من كشكه المجاور. حملوها بحرص إلى الرياض حيث كانت تقيم. لم يكونوا يعرفونها، لكنها كانت – في تلك اللحظة هي واحدة منهم.
وفي المستشفى، وجدت نفسها وسط مشهد مختلف تماما عن العنف الذي عاشت لحظاته الأولى. ممرضات شابات يتعاملن معها برقة، طبيب يخيط جرحها بابتسامة مطمئنة، وشرطة حضرت فورا لتحرير محضر يمكنها من العودة إلى بلدها دون أي تعقيدات.
وتكتب:
“حتى في دوار الغثيان… شعرت بعناية الله وعناية الناس.”
المغرب الذي رأته بعد الألم
بعد أيام من التعافي، بدأت الكاتبة تكتشف بلدًا لم تره في جولة سياحية سريعة، بل رأته من قلب التفاصيل الصغيرة… من تصرفات الناس.
كانت تمر في الأزقة، فترى أصحاب المحلات يضعون أيديهم على قلوبهم عند رؤيتها، سائقو التاكسي يصافحون زوجها ويعرضون عليهما وجبات في بيوتهم، نساء يقتربن ليطمئنّ عليها ويقبلن رأسها.
قال لها سائق أجرة:
“هؤلاء اللصوص شوهوا صورة بلدنا… ونحن نهتم بضيوفنا أكثر مما تتصورين.”
وشاهدت النساء يعملن ويقدن الدراجات ويخرجن ليلا بأمان. شاهدت التعايش، البساطة، والتوازن الذي “يشبه روح بلدها”، كما قالت.
رحلة العودة… ومشهد الختام
يوم الرحيل إلى الدار البيضاء كان أكثر هدوءا. قطار منضبط، مقاعد قديمة لكنها مريحة، نخيل وزيتون يمران من النافذة، وجبال الأطلس ترسم الأفق.
في الدار البيضاء، عاد الطيبون ليظهروا من جديد: سائق يعرض المساعدة دون مقابل، آخر يأخذهم لزيارة البحر ومسجد الحسن الثاني، ووجوه كثيرة تبتسم بلا سبب سوى الإنسانية.
قبل العودة إلى إيطاليا، كانت الشمس تغيب خلف الصحراء، فيما الناس يضحكون ويتبادلون التحايا. فتيات يرتدين الحجاب وأخريات بدونه… جميعهن يبتسمن.
كتبت نيكوليتا:
“كانت رحلة عبر الألم… لكنها انتهت بتجربة إنسانية سأحملها معي دائما.”





