الرئسيةمجتمع

الأمن السيبراني.. ثغرة المغرب الرقمية

رغم الخطاب المتزايد حول الرقمنة والتحول الرقمي، لا تزال منظومة الأمن السيبراني داخل عدد كبير من المؤسسات المغربية تعاني اختلالات بنيوية تطرح أكثر من علامة استفهام حول مدى جاهزية البلاد لمواجهة المخاطر الإلكترونية المتسارعة..

رقمنة أسرع من الحماية

فبينما تتوسع الخدمات الرقمية وتتزايد حساسية البيانات المتداولة، يكشف الواقع أن وتيرة تأمين هذه المنظومة لا تسير بالسرعة نفسها، الأمر الذي يجعل الأمن السيبراني إحدى أكثر نقاط الضعف التي قد تكلف الاقتصاد والإدارة العمومية ثمناً باهظاً في المستقبل.

وفي هذا السياق، أظهرت النسخة الثالثة من مؤشر النضج في الأمن السيبراني بالمغرب “AUSIMètre 2026” أن المؤسسات المغربية حققت تقدماً نسبياً في مستوى النضج الرقمي، غير أن هذا التحسن لا يخفي استمرار تحديات هيكلية تعيق بناء منظومة سيبرانية قوية وقادرة على الصمود أمام التهديدات المتزايدة.

تحسن في المؤشر… لكن الطريق ما يزال طويلاً

ووفق التقرير الذي أنجزته جمعية مستعملي أنظمة المعلومات بالمغرب (AUSIM) بشراكة مع مكتب PwC، ارتفع مؤشر النضج العام للأمن السيبراني من 49% سنة 2025 إلى 56% خلال سنة 2026، أي بزيادة سبع نقاط تمثل نمواً نسبته 14%.

نقل هذا الارتفاع المؤسسات المغربية من مستوى “قيد التطوير” إلى مستوى “محدد ومنظم”، وهو تقدم يعكس تحسن الوعي بالمخاطر الرقمية وتنامي إدماج الأمن السيبراني ضمن أولويات الحكامة داخل عدد من المؤسسات، لكنه في الوقت نفسه يؤكد أن المنظومة لم تبلغ بعد مرحلة النضج الكامل أو القدرة العالية على الاستباق والاستجابة.

دراسة واسعة تعكس صورة قطاعات حيوية

واعتمد التقرير على استطلاع شمل 62 مؤسسة مغربية تمثل عدداً من القطاعات الأكثر حساسية، من بينها البنوك والخدمات المالية، والتأمين، والاتصالات، والطاقة، والصناعة، والإدارة العمومية، والصحة، إضافة إلى قطاعي الخدمات والاستشارة، وقد أنجزت الدراسة خلال الفترة الممتدة بين 4 يناير و31 مارس 2026، ما يمنح نتائجها دلالة مهمة على واقع الأمن السيبراني بالمملكة.

وتكتسي هذه القطاعات أهمية استراتيجية، بالنظر إلى أنها تدير ملايين المعاملات الرقمية يومياً، وتحتفظ بكميات هائلة من المعطيات الشخصية والمالية والصحية، وهو ما يجعلها أهدافاً مفضلة للهجمات الإلكترونية وبرامج الفدية والاختراقات التي تتزايد عالمياً بوتيرة غير مسبوقة.

الأمن السيبراني… قضية اقتصادية وسيادية قبل أن تكون تقنية

وتشير تقارير دولية إلى أن تكلفة الجرائم السيبرانية عالمياً تجاوزت تريليونات الدولارات سنوياً، فيما أصبحت الهجمات الإلكترونية تستهدف ليس فقط الشركات الخاصة، بل أيضاً الإدارات العمومية والبنيات التحتية الحيوية، من الطاقة إلى النقل والصحة.

وفي المغرب، يفرض تسارع الرقمنة، وتوسيع الخدمات الإلكترونية، وتعزيز الاقتصاد الرقمي، رفع مستوى الاستثمار في الأمن السيبراني، ليس باعتباره نفقات تقنية إضافية، بل استثماراً في حماية الاقتصاد الوطني، وصون ثقة المواطنين، والحفاظ على السيادة الرقمية.. فارتفاع مؤشر النضج إلى 56% يمثل خطوة إيجابية، لكنه يبعث في الوقت ذاته رسالة واضحة مفادها أن نصف الطريق فقط قد قُطع، وأن التحدي الحقيقي يبدأ عندما تتحول الحماية الرقمية من مشاريع متفرقة إلى ثقافة مؤسساتية راسخة واستراتيجية وطنية متكاملة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى