
الدولة الاجتماعية أمام الصيدلية
يمكن للدولة أن توسّع التغطية الصحية، وتعلن إصلاحات متتالية، وتضع «الدولة الاجتماعية» في صدارة خطابها؛ لكن كل هذه العناوين تتوقف عند باب الصيدلية، حيث يواجه المريض السؤال الأكثر قسوة: “كم يملك في جيبه حتى يستطيع أن يتعالج؟”
فحين يصبح الدواء مرتفع الكلفة، لا يعود المرض وحده مصدر المعاناة، بل تتحول الوصفة الطبية إلى اقتطاع من ميزانية الأسرة، وقد يصبح الاستمرار في العلاج قراراً مالياً بقدر ما هو قرار صحي. وهنا تكمن المفارقة الثقيلة: حماية صحية تتوسع في الأوراق، بينما تظل كلفة الوصول إلى العلاج قادرة على ابتلاع جزء كبير من دخل الأسر.
ثلث نفقات أمو AMO.. والدواء في قلب الفاتورة
تمنح الأرقام الرسمية للوكالة الوطنية للتأمين الصحي هذه المفارقة وجهاً أكثر قسوة.. فقد استحوذت الأدوية سنة 2021 على 33.3% من إجمالي نفقات التأمين الإجباري عن المرض، أي ما يقارب ثلث الإنفاق، فيما بلغت حصة الأدوية 34% لدى الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي و32.4% لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. والأكثر دلالة أن “3.4% فقط من المؤمنين المصابين بأمراض طويلة الأمد استحوذوا على 52.6% من النفقات”.
خلف هذه النسب يوجد مريض مزمن لا يستطيع ببساطة أن يقرر التوقف عن العلاج، وأسرة تضطر إلى إعادة ترتيب أولوياتها كلما تكررت الوصفة. ويشير الطبيب والباحث في السياسات والنظم الصحية، الطيب حمضي، إلى أن ارتفاع الكلفة قد يدفع بعض المرضى إلى تأجيل اقتناء الدواء أو تقليص الجرعات أو عدم استكمال العلاج، خصوصاً في الأمراض المزمنة والمكلفة.
وهكذا يصبح الدواء نقطة التقاء بين الصحة والقدرة الشرائية واستدامة صناديق التأمين: “ما لا تدفعه الأسرة مباشرة قد تعيده الصناديق من موارد ممولة أساساً باشتراكات المواطنين ومساهمات الدولة.”
حين يتغير السوق ويبقى السعر
لا تختصر المشكلة في سعر مرتفع فحسب، فبحسب حمضي، فضعف المراجعة الدورية للأسعار يسمح ببقاء بعض المنتجات في السوق بالأسعار نفسها رغم تغير كلفتها أو ظهور بدائل جنيسة أقل سعراً.
أما نظام التسعير، الذي يعتمد مقارنات مع دول مرجعية، فيطرح بدوره سؤالاً اجتماعياً: هل تكفي مقارنة الأسعار إذا كانت مستويات الأجور والقدرة الشرائية ونسب التغطية مختلفة جذرياً؟ كما تعتمد وزارة الصحة إطاراً قانونياً لتحديد أسعار الأدوية منذ مرسوم 2.13.852، لكن النقاش الحقيقي لا يتعلق فقط بكيفية تحديد السعر، بل بمدى ملاءمته للقدرة الفعلية للمريض المغربي.
وتزيد محدودية استعمال الأدوية الجنيسة من صعوبة المعادلة، بفعل ضعف الثقة والتوعية واستمرار الوصفات بالأسماء التجارية وتأخر دخول بعض البدائل، وفي الأدوية البيولوجية وعلاجات السرطان والأمراض النادرة، تصبح كلفة الاستيراد وتقلبات الصرف وصغر حجم السوق عوامل إضافية تضعف القدرة التفاوضية الوطنية.
السيادة الدوائية.. لأن الاستيراد له فاتورة سياسية
لهذا لا يكفي أن يكون الدواء متوفراً؛ السؤال هو: “بأي سعر، وبأي قدرة وطنية على التفاوض، وبأي ضمان لاستمراره عندما تهتز الأسواق الدولية؟”
ويقترح حمضي تسريع دخول الجنيس، وتوسيع الشراء المجمع، وتقوية الصناعة الدوائية المحلية لتشمل المنتجات ذات القيمة المضافة العالية، ودعم البحث والتطوير ونقل التكنولوجيا، إلى جانب تعزيز دور الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية ورفع مستوى الشفافية بشأن الأسعار وهوامش الربح وتكاليف الاستيراد.
وفي موسم انتخابي تُرفع فيه القدرة الشرائية والحماية الاجتماعية كشعارات كبرى، يصبح الدواء اختباراً أقل قابلية للخطابة وأكثر قابلية للقياس.. فالدولة الاجتماعية لا تُقاس فقط بعدد المستفيدين من التأمين، بل بما يبقى في جيب المواطن بعد أن يخرج من الطبيب ويدخل الصيدلية.
“لأن المواطن قد يصبح مؤمَّناً بالكامل على الورق، لكنه يظل وحيداً أمام فاتورة العلاج. وعندما يصبح شراء الدواء معركة شهرية، فإن السؤال لم يعد: هل توسعت الحماية الاجتماعية؟ بل: لمن أصبحت الحماية متاحة فعلاً؟”





