ليست المسألة بالنسبة إلى جمال العسري من سيفوز في 23 شتنبر، ولا كم مقعدا سيحصد تحالف اليسار، السؤال الذي أعاده إلى قلب الحملة أكثر إزعاجا: من يحكم؟ من يقرر؟ ومن يتحمل المسؤولية؟
الأمين العام لحزب الاشتراكي الموحد، جمال العسري
في انتخابات غارقة في الوعود حول القدرة الشرائية والشغل والدعم والضرائب، اختار الأمين العام للحزب الاشتراكي الموحد وممثل تحالف اليسار أن يذهب إلى مكان آخر تماما: إلى أصل المشكلة السياسية.
هناك، حيث تبدأ الأسئلة التي لا تحب الحملات الانتخابية الاقتراب منها.
هل الحكومة تحكم فعلا؟ هل البرلمان يملك سلطة القرار التي يفترض أن يمنحها له التصويت؟ أين تنتهي صلاحيات المنتخب وتبدأ صلاحيات المعين؟ وهل يظل المواطن صاحب السيادة بعد أن يضع ورقته في صندوق الاقتراع؟
بهذه الأسئلة دخل العسري الحملة الانتخابية، لا كمرشح يبحث عن مقعد، وإنما كأمين عام قرر أن يجعل من الحملة معركة على معنى السياسة نفسها.
الرجل الذي لا يوجد اسمه في اللوائح
المفارقة الأولى أن جمال العسري لا يترشح في هذه الانتخابات، في الوقت الذي يتنافس فيه المرشحون على المقاعد، اختار الرجل أن يبقى خارج اللوائح، وأن يتحول إلى قائد ميداني لحملة تحالف اليسار عبر مختلف المناطق.
من طنجة والدار البيضاء إلى أزيلال والأطلس وخنيفرة والحاجب وسلا الجديدة، ظل حاضرا في اللقاءات والمهرجانات والجولات التواصلية، محاطا بمناضلي الحزب وفيدرالية اليسار الديمقراطي والمتطوعين.
وبالتوازي، حضر بقوة في الإعلام، من التلفزيون إلى الإذاعة، ودخل في سجالات مباشرة حول الحكومة والانتخابات والدستور والحريات والتطبيع والمال السياسي.
كأن الرجل لم يترشح لمقعد، بل ترشح لسؤال أكبر: أي سياسة نريد؟
الانتخابات عند العسري ليست «ميركاتو» مقاعد
بينما تحولت الحملة في جانب كبير منها إلى سوق للوعود، يصر العسري على أن الانتخابات ليست مجرد ميركاتو انتخابي.
المسألة، في خطابه، تتعلق بمن يملك القرار بعد الانتخابات.
الحزب الذي يفوز ويشكل الحكومة، يقول العسري، لا يمكنه أن يطلب من الناخب ثقته على أساس برنامج، ثم يتعامل مع تنفيذ ذلك البرنامج باعتباره مسؤولية موزعة بين جهات متعددة.
إذا قدمت الحكومة برنامجاً للناس، فعليها أن تتحمل مسؤوليته أمام الناس.
وهنا يصل العسري إلى السؤال الأكثر حساسية: إذا كانت الحكومة مسؤولة، فما حدود مسؤوليتها؟ وإذا كان البرلمان منتخبا، فما حدود سلطته؟ وإذا كان الشعب مصدر السيادة، فأين تظهر هذه السيادة في صناعة القرار؟
لا قداسة إلا للشعب
هنا تكمن الجملة الأكثر وضوحاً في خطاب العسري: لا قداسة إلا للشعب وسيادته.
فهو لا يتعامل مع السياسة باعتبارها مجالا تحيط به خطوط حمراء غير قابلة للنقاش، وإنما يريد أن يضع كل مؤسسات السلطة أمام السؤال الديمقراطي.
من يقرر؟، من يشرع؟، من ينفذ؟، من يراقب؟ ومن يحاسب؟
بالنسبة إلى العسري، لا يكفي أن تكون هناك انتخابات إذا كانت حدود الفعل السياسي للمنتخب تظل ملتبسة، ولا يكفي أن يكون هناك برلمان إذا ظل سؤال الصلاحيات مطروحا.
الديمقراطية، في تصوره، ليست مجرد صندوق، الديمقراطية هي أن يعرف المواطن من يحكم باسمه، ومن يقرر باسمه، ومن يحاسبه باسمه.
إعادة الانتقال الديمقراطي إلى الواجهة
ربما يكون أهم ما فعله العسري خلال هذه الحملة أنه أعاد عبارة كادت تختفي من التداول السياسي اليومي: الانتقال الديمقراطي.
ليس بوصفها شعارا تاريخيا، وإنما باعتبارها سؤالا لم يُغلق بعد.
حين يتحدث عن الملكية البرلمانية، والسيادة الشعبية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتوسيع أدوار المؤسسات المنتخبة، فهو لا يقدم مطالب منفصلة.
إنه يرسم تصورا لنظام سياسي تكون فيه السلطة أوضح، والمسؤولية أوضح، والمحاسبة أوضح.
ملك يسود ولا يحكم. حكومة تحكم وتتحمل المسؤولية. برلمان يراقب ويشرع. وشعب لا يُستدعى فقط يوم التصويت.
وهنا تحديدا يريد العسري أن يعيد تعريف معنى الانتقال الديمقراطي.
«وزارات السيادة»… من قال إنها فوق السؤال؟
لا يتردد العسري في الاقتراب من واحدة من أكثر المناطق حساسية في النقاش السياسي المغربي: ما يسمى «وزارات السيادة».
فبالنسبة إليه، لا معنى لحكومة مسؤولة أمام البرلمان إذا كانت قطاعات كاملة من القرار السياسي تُعامل باعتبارها خارج نطاق المساءلة السياسية.
ولهذا يطرح السياسة الخارجية والتطبيع مع إسرائيل باعتبارهما جزءا من النقاش السياسي الداخلي، وليس مجرد ملفات تقنية أو دبلوماسية.
يشدد العسري، أن تحالف اليسار يعلن رفضه للتطبيع، ويجعل إنهاءه وإغلاق مكتب الاتصال الإسرائيلي من بين شروطه السياسية للمشاركة في الحكومة.
قد يختلف الفاعلون السياسيون حول هذا الموقف، لكن الرسالة التي يريد العسري تثبيتها واضحة:
لا توجد سياسة خارجية خارج السياسة، ولا قرار سياسي خارج السؤال الشعبي.
من التطبيع إلى المعتقلين… الخيط واحد
لا يفصل العسري بين التطبيع والحريات والاحتجاجات، في الملفات الثلاثة، يطرح السؤال نفسه: ما موقع المواطن في صناعة القرار؟
ولهذا يدافع عن عفو عام وإطلاق سراح من يعتبرهم التحالف معتقلين سياسيين، وفي مقدمتهم معتقلو حراك الريف، وينتقد المقاربة الأمنية في التعامل مع احتجاجات «جيل زد».
بالنسبة إليه، لا ينبغي أن تكون مطالب الصحة والتعليم والشغل سببا لتحويل الاحتجاج إلى ملف أمني، فالاحتجاج، في منطقه السياسي، ليس خللا في الدولة الديمقراطية، الخلل يبدأ عندما تصبح الدولة عاجزة عن سماع الاحتجاج إلا بعد أن يتحول إلى أزمة.
المال أيضا سؤال ديمقراطي
حتى معركته ضد المال السياسي لا يقدمها العسري باعتبارها مجرد معركة أخلاقية، المال، في نظره، يدخل مباشرة في صميم سؤال السلطة.
من يملك المال يستطيع أن يملك أدوات التأثير. ومن يملك أدوات التأثير يستطيع أن يؤثر في الانتخابات. ومن يؤثر في الانتخابات قد يؤثر في المؤسسات التي تنتج القرار.
لهذا يطالب بالتحقيق في الاتهامات المتبادلة حول الفساد والخروقات، ويطالب بتوضيح أوجه صرف الاعتمادات العمومية التي أثارت الجدل خلال الحملة، ويربط ذلك كله بتفعيل قواعد تضارب المصالح وتجريم الإثراء غير المشروع.
فالمال السياسي، في هذا التصور، ليس مشكلة انتخابية فقط. إنه سؤال حول من يملك الدولة ومن يملك القدرة على التأثير في قرارها.
العامل والوالي في مقابل المنتخب
ومن أكثر نقاط خطاب العسري استفزازا للمألوف السياسي حديثه عن العلاقة بين المنتخب والمعين.
لماذا، يتساءل، يمكن لمسؤول معين أن يمسك بجزء واسع من القرار والموارد، بينما يوضع المنتخب في الواجهة أمام المواطنين؟
المنتخب يُسأل في الانتخابات، لكن ماذا عن من يملك القرار دون أن يمر عبر صندوق الاقتراع؟ هنا يفتح العسري واحدة من أكثر القضايا حساسية في بنية الحكم:
هل المسؤولية السياسية تتناسب فعلا مع السلطة الفعلية؟
لماذا لم يترشح؟
يبدو قرار عدم الترشح، في هذا السياق، جزءا من الصورة نفسها، العسري يقول ببساطة: لو لم يكن أمينا عاما لترشح.
بعد تجربة 2021 في طنجة-أصيلة، اختار هذه المرة أن يضع موقعه التنظيمي في خدمة الحملة الوطنية، وأن ينتقل من دائرة إلى أخرى بدل أن ينحصر في دائرة انتخابية واحدة.
وهكذا أصبح العسري حاضراً في كل مكان تقريبا، رغم أن اسمه غائب عن ورقة الاقتراع، مرشح بلا لائحة، لكنه يقود لائحة سياسية كاملة من الأسئلة.
القطار الذي توقف… والسياسي الذي لم يتوقف
حتى قصة القطار الذي استقله العسري إلى موعد تلفزيوني على القناة الثانية، تكشف شيئا من هذه الصورة.
قطار الساعة 17:34، موعد تلفزيوني في الثامنة، ثم توقف قرب المحمدية دون معلومات واضحة، وفق روايته.
كتب عن «العذاب» الذي يتلقاه المسافرون مع القطارات.
قد تبدو الواقعة عابرة، لكنها تحمل مفارقة سياسية لافتة: أمين عام حزب يقود حملة وطنية، يجد نفسه داخل المشهد اليومي نفسه الذي يعيشه المواطن العادي، لا منصة خاصة.لا طريق خاص، قطار يتوقف، ومسافر ينتظر، ثم يعود القطار إلى السير.
العسري يريد أن يغيّر لغة اليسار
لا يخفي العسري أن اليسار بحاجة إلى لغة جديدة، إذ ليس المطلوب، في تصوره، التخلي عن مفاهيم السيادة الشعبية والعدالة الاجتماعية والملكية البرلمانية، وإنما إخراجها من القاموس القديم وإعادة وصلها بأسئلة الجيل الجديد.
الشاب الذي يطالب بمستشفى ومدرسة وفرصة عمل وكرامة ليس بعيدا عن سؤال الديمقراطية. بل ربما، بالنسبة للعسري، يكون هذا هو سؤال الديمقراطية نفسه.
ما قيمة السياسة إذا كان المواطن لا يجدها في المدرسة والمستشفى والعمل والسكن والعدالة؟
وفي 23 شتنبر؟ العسري لا يترشح، لكن مشروعه السياسي يترشح، هنا يوجد الفرق.
تحالف اليسار يريد حضوراً قويا في البرلمان، وفريقا أو مجموعة نيابية تمارس المعارضة وتنقل المطالب الاجتماعية والسياسية إلى المؤسسة التشريعية، والعسري يريد أكثر من ذلك: يريد استعادة الثقة في اليسار والعمل السياسي.
لكن استعادة الثقة، في خطابه، لا يمكن أن تبدأ من وعود انتخابية جديدة فقط، تبدأ من سؤال السلطة.
من يحكم؟ ثم من سؤال المسؤولية: من يتحمل القرار؟ ثم من السؤال الذي يضعه العسري في نهاية السلسلة كلها: لمن تعود السيادة؟ جوابه لا يترك مساحة كبيرة للالتباس: للشعب.
ولهذا ربما لا يكون السؤال الحقيقي الذي حمله جمال العسري في هذه الحملة هو كم مقعدا سيحصل عليه تحالف اليسار. السؤال الأثقل هو:
هل تستطيع الانتخابات أن تعيد المواطن من مجرد ناخب إلى صاحب سيادة؟
هناك، تحديدا، يبدأ الخلاف الحقيقي حول معنى الديمقراطية.