تضع حكومة فاطمة الزهراء المنصوري القدرة الشرائية ضمن أبرز رهاناتها الاجتماعية، من خلال وعود تتعلق برفع الدعم الاجتماعي المباشر، وإصلاح الضريبة على الدخل، وضبط أسعار المنتجات الأساسية، وتقديم تعويض اجتماعي تلقائي للأسر المستحقة التي لا تتجاوز فاتورة الكهرباء الشهرية لمسكنها الرئيسي 100 درهم.
غير أن الإشكال الذي يواجه الأسر المغربية لا يتعلق فقط بحجم الدعم الذي تتلقاه، بل أيضاً بكلفة الحياة اليومية، وبالفجوة بين الدخل والمصاريف، وبمدى قدرة السياسات العمومية على الحد من تقلبات الأسعار والممارسات الاحتكارية.
الدعم لا يعوض غياب سياسة فعالة للأسعار
يراهن البرنامج على رفع قيمة الدعم الاجتماعي المباشر من 500 إلى 1000 درهم عند نهاية الولاية. وهو تعهد ستكون قيمته الاجتماعية مرتبطة بشروط الاستفادة، وعدد الأسر المعنية، وطريقة احتساب الدعم، ومدى مواكبته لتطور الأسعار.
فرفع الدعم قد يخفف جزءاً من الضغط على الأسر المستحقة، لكنه لا يعالج وحده الاختلالات التي تعرفها أسواق بعض المواد الغذائية، ولا يضمن أن الزيادة في التحويلات الاجتماعية ستنعكس تلقائيا على مستوى العيش.
المطلوب، إذن، ليس الاختيار بين الدعم وضبط الأسعار، بل الجمع بينهما في سياسة متكاملة، تضمن حماية الفئات الهشة وتواجه أسباب الغلاء، بما فيها اختلالات سلاسل التوزيع والوساطة غير المنتجة وضعف المنافسة في بعض القطاعات.
الكهرباء والضريبة.. من يستفيد فعلياً؟
يتضمن البرنامج تعويضاً اجتماعياً تلقائياً يعادل قيمة فاتورة الكهرباء الشهرية التي لا تتجاوز 100 درهم، لفائدة الأسر المستحقة التي تستخدم المسكن الرئيسي.
لكن فعالية هذا الإجراء ستتوقف على وضوح معايير الاستحقاق، ودقة تحديد المستفيدين، وطريقة التنسيق بين المؤسسات المعنية. كما ينبغي توضيح ما إذا كان التعويض يشمل الفاتورة كاملة وفق الشروط المعلنة، وكيف ستُعالج الحالات الاجتماعية التي لا تعكس فاتورتها وحدها مستوى دخلها الحقيقي.
أما الإصلاح التدريجي للضريبة على الدخل، فيطرح بدوره سؤال ما مقدار التحسن الصافي الذي سيصل إلى الأجراء؟ وهل ستُوزع الاستفادة بطريقة تراعي الفوارق بين مستويات الدخل؟
فالإصلاح الضريبي لا ينبغي أن يبقى مجرد تعديل تقني في الجداول، بل يجب أن يظهر أثره في الأجر الصافي، مع تعزيز التصريح بالعمل ومحاربة التهرب الاجتماعي والضريبي.
المنافسة ليست شعار
يتحدث البرنامج عن إصلاح هيكلي لمحاربة الاحتكار والوساطة الانتهازية، بتنسيق مع مجلس المنافسة، إلى جانب تطوير منصات جهوية للتجميع والتسويق وإصلاح مسالك اللحوم والأسماك.
هذه إجراءات تستحق التقييم على أساس نتائجها، لا على أساس إعلانها، فالسؤال هو ما إذا كانت ستقلص الفارق بين أسعار البيع عند المنتج والأسعار التي يؤديها المستهلك، وما إذا كانت ستحد من تعدد الوسطاء وتضمن شفافية المعاملات.
كما أن محاربة الاحتكار تقتضي مراقبة مستمرة للأسواق، وتطبيق القوانين، وإتاحة المعلومات بشأن الأسعار وهوامش التوزيع حين يسمح الإطار القانوني بذلك.
المواطن يريد نتائج لا تبريرات
سيكون الحكم على السياسة الحكومية في مجال القدرة الشرائية مرتبطاً بمؤشرات واضحة: تطور أسعار السلع الأساسية، وتحسن الدخل الصافي، وتكلفة الخدمات الضرورية، ومدى وصول الدعم إلى مستحقيه.
فلا معنى لزيادة الدعم إذا ظلت كلفة المعيشة تلتهم أثره، ولا جدوى من الحديث عن استقرار اقتصادي إذا كانت الأسر تجد نفسها مضطرة إلى تقليص حاجاتها الأساسية.
الرهان الحقيقي أمام الحكومة هو الانتقال من تدبير آثار الغلاء إلى معالجة أسبابه، لأن المواطن لا يشتري المؤشرات الاقتصادية ولا يعيش على الوعود، بل يؤدي ثمن الغذاء والسكن والنقل والكهرباء من دخله المحدود.
وهنا تحديداً سيُختبر مدى جدية التعهد الحكومي بحماية القدرة الشرائية.