
يبدو أن عزيز هناوي اكتشف، ولو متأخرا، أن رفع شعار مناهضة التطبيع شيء، واستعماله في المناورات السياسية شيء آخر.
فعبد الإله ابن كيران، الذي اعتاد توظيف القضية الفلسطينية والتطبيع مع إسرائيل في خطابه السياسي، لم يتردد في وضع حد لكلام هناوي، حين بدا أن الأخير يريد فتح جبهة جديدة حول الموضوع، في لحظة اختار فيها زعيم العدالة والتنمية توجيه النقاش نحو الصحة والتعليم.
وإذا كان ابن كيران قد وجد في ملف التطبيع مادة دسمة للمواجهة السياسية حين يكون ذلك مفيدا لحزبه، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ماذا لو عاد الرجل إلى رئاسة الحكومة؟
هل سيظل متمسكا بالخطاب نفسه، أم أن حسابات السلطة ستفرض عليه لغة أخرى، وربما تفتح أمامه أبواب التعامل السياسي مع إسرائيل، بما في ذلك لقاء بنيامين نتنياهو؟ إنه سؤال سياسي مشروع، بالنظر إلى المسافة التي قد تفصل بين خطاب المعارضة ومقتضيات تدبير السلطة.
«أنت غير سكت».. لحظة كشفت حدود العلاقة
ما حدث في اخر الاسبوع الماضي، بين ابن كيران وعزيز هناوي لم يكن مجرد مشادة عابرة أو اختلاف في تدبير الكلام داخل لقاء عمومي.
فحين خاطب ابن كيران هناوي بعبارة: «أنت غير سكت، وهضر دابا على الصحة والتعليم، براكة راك دويتي على داك الموضوع بما يكفي، ما تخسرش لينا الطرح»، بدا المشهد وكأنه يكشف عن ترتيب غير معلن للأدوار: هناك من يحدد متى يُفتح موضوع التطبيع، ومتى ينبغي إغلاقه، ومن يملك حق الكلام، ومن يُطلب منه الصمت.
ابن كيران لم يترك له المساحة التي كان ينتظرها لمواصلة حديثه
هنا تكمن المفارقة. فعزيز هناوي، المعروف بمواقفه المناهضة للتطبيع وبحضوره في هذا الملف، بدا وكأنه يستعد للعودة إلى قاموسه المعتاد في مواجهة إسرائيل، مستحضرا خطاب الجمعيات المناهضة للتطبيع وما يرتبط به من مواقف وشعارات.
لكن ابن كيران قطع عليه الطريق، ولم يترك له المساحة التي كان ينتظرها لمواصلة حديثه.
لم يكن الأمر مجرد اختلاف في ترتيب الأولويات، بل طريقة فرض بها ابن كيران إرادته على النقاش، وأرسل رسالة واضحة مفادها أن ملف التطبيع، مهما بلغت حساسيته، لا ينبغي أن يخرج عن الإيقاع الذي يريده هو.
هل أصبح التطبيع ورقة انتخابية؟
المشكلة ليست في أن يطالب ابن كيران بالحديث عن الصحة والتعليم؛ فهما قضيتان مركزيتان تمسان الحياة اليومية للمغاربة، ولا يجوز اختزال السياسة في ملف واحد، مهما كانت أهميته الأخلاقية والحقوقية.
المشكلة تبدأ حين يُستدعى موضوع التطبيع بقوة عندما يخدم المواجهة السياسية، ثم يُطلب من الآخرين التوقف عن الحديث فيه عندما تصبح الأولوية لملفات أخرى.
فالقضية الفلسطينية ليست ملكا لحزب، ولا ورقة انتخابية يمكن إخراجها من الجيب متى اقتضت الحاجة، ثم إعادتها إليه حين تتغير الحسابات.
ومناهضة التطبيع لا تُقاس بحدة الخطاب وحدها، بل بالوضوح في المواقف، وبالقدرة على تقديم أجوبة سياسية وأخلاقية متماسكة، سواء كان الحزب في المعارضة أو داخل الحكومة.
أما عزيز هناوي، فالمطلوب منه أن يسأل نفسه إن كان حضوره في هذا الملف يمنحه استقلالية سياسية حقيقية، أم أنه يجد نفسه، في بعض اللحظات، داخل مسرح سياسي يحدد فيه الآخرون متى يتكلم ومتى يصمت.
اعتذار علني أم صمت يختصر كل شيء؟
بعد تلك الواقعة، يبرز سؤال لا يقل أهمية عن المشادة نفسها: هل سيعود ابن كيران إلى مخاطبة هناوي باعتذار علني، يعترف فيه بأن طريقته في إسكات محاوره لم تكن لائقة، ويترك له حرية التعبير عن مواقفه دون وصاية أو إملاء؟
ليس المطلوب أن يتبنى ابن كيران أفكار هناوي، ولا أن يمنحه حق احتكار النقاش حول التطبيع، وإنما أن يحترم حقه في الكلام، خصوصا عندما يتعلق الأمر بقضية يدافع عنها علنا ويعتبرها جزءا من التزامه السياسي والمدني.
ويمكن تخيل الاعتذار الذي قد ينتظره البعض في صيغة بسيطة: أخطأت حين طلبت منك الصمت، ولك الحق في أن تتحدث كما تشاء، فنحن لا نتحكم في مواقف الناس بجهاز «التيليكوموند».
لكن ماذا لو لم يصدر أي اعتذار؟ هل يعني ذلك أن ابن كيران لا يمنح هناوي المكانة التي يتصورها الأخير، أم أن الزعيم الحزبي أراد فقط أن يثبت أن إدارة النقاش تخضع لحساباته الخاصة؟ لا يمكن الجزم بما يدور في النيات، لكن طريقة تدبير الاختلاف تظل قابلة للنقاش والمساءلة.
فلسطين أكبر من الحسابات الحزبية
في النهاية، لا يتعلق الأمر بالدفاع عن عزيز هناوي أو الاصطفاف خلف ابن كيران، بل بطرح سؤال أوسع عن استقلالية المواقف السياسية في المغرب، وعن حدود استخدام القضايا العادلة في الصراع الحزبي.
فالقضية الفلسطينية أكبر من أن تتحول إلى وسيلة لتصفية الحسابات، ومناهضة التطبيع لا ينبغي أن تكون شعاراً موسمياً يتغير موقعه بحسب موقع الحزب من السلطة.
وإذا كان ابن كيران يريد أن يجعل الصحة والتعليم في صدارة النقاش، فذلك حقه السياسي، لكن ليس من حقه أن يصادر حق الآخرين في الحديث عن فلسطين والتطبيع.
كما أن عزيز هناوي، من جهته، مدعو إلى التمييز بين الدفاع المستقل عن قضية يؤمن بها وبين التحول إلى طرف في مشهد سياسي لا يملك وحده تحديد قواعده.
السؤال الذي يبقى معلقا: هل كان ابن كيران يريد إعادة النقاش إلى أولويات اجتماعية ملحة، أم كان يريد احتكار توقيت الحديث عن التطبيع وحدود استعماله سياسيا؟
ذلك هو جوهر الواقعة، وليس مجرد عبارة «أنت غير سكت» التي قد تمر باعتبارها انفعالا عابرا، لكنها تفتح نقاشا أعمق حول حرية التعبير، واستقلالية الفاعلين المدنيين، والفارق بين الالتزام بالقضايا العادلة واستثمارها في لعبة السياسة.





