الرئسيةحول العالم

إخباري تحليلي: هل تنقلب صناديق الاقتراع على ترامب؟

دابا بريس – قراءة تحليلية

تتجه الأنظار في الولايات المتحدة إلى انتخابات التجديد النصفي، المقررة الثلاثاء المقبل، وسط مؤشرات على احتمال تعرض الحزب الجمهوري لانتكاسة انتخابية قد تعيد رسم موازين القوى داخل الكونغرس، وتضع الرئيس دونالد ترامب أمام اختبار سياسي مبكر لمدى قدرته على الاحتفاظ بالدعم الشعبي الذي أوصله مجددا إلى البيت الأبيض.

تدعيات الحرب على إيران وارتفاع تكاليف العيش

وبين تداعيات الحرب على إيران، وارتفاع تكاليف المعيشة، والجدل حول الرسوم الجمركية وسياسات الهجرة، لم تعد هذه الانتخابات مجرد تنافس على المقاعد التشريعية، بل تحولت إلى محطة لتقييم الخيارات السياسية والاقتصادية للإدارة الأميركية، وقياس انعكاساتها على الداخل والخارج.

وتكمن أهمية هذا الاستحقاق في أن خسارة الجمهوريين أغلبيتهم في أحد مجلسي الكونغرس أو كليهما قد تقيد هامش تحرك ترامب خلال النصف الثاني من ولايته، وتمنح الديمقراطيين قدرة أكبر على مساءلة إدارته وفتح ملفات التحقيق، فضلا عن التأثير في التشريعات والتعيينات والقرارات ذات الامتداد الدولي.

لذلك، تبدو صناديق الاقتراع هذه المرة بمثابة ميزان سياسي لسياسات البيت الأبيض، وليس مجرد مناسبة لتجديد جزء من المؤسسة التشريعية.

هل يفقد ترامب السيطرة على الكونغرس؟

تتجه التقديرات الانتخابية إلى ترجيح إمكانية استعادة الحزب الديمقراطي السيطرة على مجلس النواب، في وقت لا تزال فيه المنافسة على تركيبة مجلس الشيوخ مفتوحة على احتمالات متعددة.

وإذا تحققت هذه المعادلة، فإنها ستشكل تحولا مؤثرا في العلاقة بين البيت الأبيض والسلطة التشريعية، بعدما ظل الجمهوريون يتمتعون بهامش مريح من السيطرة السياسية.

فامتلاك الديمقراطيين الأغلبية في مجلس النواب سيتيح لهم رئاسة اللجان البرلمانية وتوسيع نطاق الرقابة على أداء الإدارة، وفتح تحقيقات بشأن قراراتها، إلى جانب امتلاك أدوات ضغط قد تعرقل تمرير عدد من مشاريع القوانين والتعيينات.

أما أي تغيير في مجلس الشيوخ، فسيكون له تأثير إضافي على قدرة الرئيس في تمرير اختياراته للمناصب العليا.

وتكتسب هذه الاحتمالات أهمية خاصة بالنظر إلى أن انتخابات التجديد النصفي غالبا ما تتحول إلى فرصة يعبر من خلالها الناخبون عن تقييمهم لأداء الرئيس والحزب الحاكم، خصوصا عندما تتراكم الأزمات الاقتصادية والسياسية خلال السنوات الأولى من الولاية.

وفي هذا السياق، اعتبرت صحيفة «إندبندنت» البريطانية أن الاستحقاق الانتخابي يمثل استفتاءً على حصيلة العامين الأولين من الولاية الرئاسية الثانية لترامب.

تراجع نسبة تأييد الرئيس إلى 30 في المائة خلال أكتوبر الجاري

ويعزز هذا التوصيف ما كشف عنه استطلاع لمركز «بيو» للأبحاث من تراجع نسبة تأييد الرئيس إلى 30 في المائة خلال أكتوبر الجاري، وهو أدنى مستوى يسجله خلال ولايته الحالية.

غير أن تراجع شعبية الرئيس لا يعني بالضرورة أن الديمقراطيين باتوا على أبواب انتصار مضمون؛ إذ لا تزال أمام الجمهوريين أوراق انتخابية قد تساعدهم على الاحتفاظ بجزء مهم من مواقعهم، من بينها تفوقهم في حجم الإنفاق على الحملات، واستمرار تحفظ فئات من الناخبين تجاه الحزب الديمقراطي، فضلا عن المخاوف التي تثيرها مواقف بعض المرشحين ذوي التوجهات التقدمية لدى الناخبين المعتدلين.

فاتورة الحرب وغلاء المعيشة تطارد البيت الأبيض

بعيدا عن الحسابات الحزبية، يبدو العامل الاقتصادي الأكثر قدرة على التأثير في اتجاهات التصويت.

فقد أظهر استطلاع أجرته وكالة «رويترز» بشراكة مع مؤسسة «إبسوس» أن نصف الناخبين المسجلين يعتبرون تكاليف المعيشة العامل الأول الذي سيحدد اختياراتهم الانتخابية.

ويكشف هذا المؤشر عن اتساع الفجوة بين الخطاب السياسي للإدارة الأميركية والانشغالات اليومية للأسر، التي تواجه ضغوطا متزايدة بفعل ارتفاع أسعار السلع والوقود.

كما أضافت الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب أعباء جديدة على النقاش الاقتصادي، في وقت ساهمت فيه تداعيات الحرب على إيران في زيادة أسعار الطاقة، بما انعكس على القدرة الشرائية للمواطنين.

ولا تتوقف مصادر الاستياء عند الاقتصاد، إذ تثير أساليب تنفيذ حملات الهجرة والترحيل انقساما داخل المجتمع الأميركي، بين مؤيدين يعتبرونها جزءا من تنفيذ تعهدات الرئيس الانتخابية، ومعارضين يرون فيها تجاوزات تستدعي مراجعة سياسات الإدارة.

وفي تحليل نشرته صحيفة «واشنطن بوست»، يربط راميش بونورو بين احتمال خسارة الجمهوريين عددا من المقاعد وبين اختيارات سياسية اتخذها ترامب منذ عودته إلى البيت الأبيض، معتبرا أن الحزب كان بإمكانه تفادي جزء من المخاطر الانتخابية لو سلك مسارات مختلفة.

ويضع الكاتب الحرب على إيران ضمن أبرز القرارات التي قد تكون لها كلفة انتخابية، خاصة أن شنها من دون تفويض من الكونغرس أثار أسئلة بشأن حدود الصلاحيات الرئاسية، بينما تحمل المواطنون تبعات اقتصادية تمثلت في ارتفاع أسعار الوقود والسلع.

كما ينتقد بونورو اتساع نطاق الرسوم الجمركية، وطريقة تدبير ملف الهجرة، والضغوط التي مارسها ترامب على مجلس الاحتياطي الفدرالي من أجل خفض أسعار الفائدة، رغم استمرار المخاوف المرتبطة بالتضخم.

ويذهب التحليل أبعد من ذلك، حين يربط بين تراجع الثقة في الإدارة وعدم قدرتها على الاستجابة لانشغالات المواطنين.

فبدلا من إعطاء أزمة المعيشة أولوية واضحة، قلل ترامب من أهمية شكاوى ارتفاع الأسعار، واعتبرها جزءا من خطاب الديمقراطيين، بينما انشغلت إدارته بملفات أخرى.

كما يثير تدخل الرئيس في اختيار بعض المرشحين الجمهوريين للمنافسات الانتخابية جدلا بشأن تأثير الولاء الشخصي في فرص الحزب، ومدى قدرة هذه الاختيارات على استقطاب الناخبين خارج القاعدة التقليدية لترامب.

ست شرائح انتخابية قد تحسم المعركة

لا تتوقف نتائج انتخابات التجديد النصفي عند شعبية الرئيس أو حصيلة سياساته، بل ترتبط أيضا بقدرة الحزبين على استقطاب فئات انتخابية تتوزع أصواتها بين الولاء الحزبي والمصالح الاقتصادية والمواقف الاجتماعية.

وفي هذا الإطار، سلطت صحيفة «آي بيبر» البريطانية الضوء على ست مجموعات انتخابية قد يكون لها تأثير حاسم في الدوائر الأكثر تنافسية، مستندة إلى رصد مؤسسة «كوك» السياسية الذي حدد 17 دائرة شديدة التقارب في مجلس النواب، إلى جانب سبع منافسات مماثلة في مجلس الشيوخ.

وتتصدر هذه المجموعات فئة الناخبين الذين لا يعتبرون أنفسهم مؤيدين لأي من الحزبين، والذين يمثلون نحو 21 في المائة من مجموع الناخبين. وتكتسب هذه الفئة أهمية متزايدة بالنظر إلى ميل قطاعات منها حاليا نحو الديمقراطيين، خصوصا بفعل القلق من ارتفاع تكاليف المعيشة وعدم اليقين الاقتصادي.

وتأتي نساء الضواحي ضمن الشرائح التي تحظى باهتمام الحزبين، بعدما ساهمت بعض أصواتهن في تعزيز موقع ترامب خلال انتخابات 2024. غير أن تراجع الثقة في الأداء الاقتصادي والسياسي للإدارة قد يدفع جزءاً منهن إلى إعادة النظر في اختياراتهن السابقة.

أما الناخبون من أصول لاتينية، فيمثلون بدورهم كتلة انتخابية لا يمكن تجاهلها، خاصة بعدما ساهمت أصواتهم في توسيع قاعدة ترامب الانتخابية.

لكن مؤشرات الرأي ترصد تراجع حماس بعضهم للجمهوريين، إذ أعرب نحو ثلث اللاتينيين الذين صوتوا للرئيس عن الندم أو خيبة الأمل إزاء أدائه.

وتشمل المجموعات الأخرى الناخبين المعتدلين المنتمين إلى الطبقة الوسطى، والناخبين السود الذين تراجعت بينهم مؤشرات التأييد للجمهوريين، فضلا عن البيض في المناطق الريفية الذين يشكلون جزءا مهما من قاعدة ترامب التقليدية، لكنهم ليسوا بمنأى عن تأثير ارتفاع أسعار الوقود والمواد الغذائية في قراراتهم الانتخابية.

اختبار يتجاوز صناديق الاقتراع

تضع هذه المعطيات الحزب الجمهوري أمام معادلة معقدة: كيف يحافظ على قاعدته الانتخابية، ويستعيد ثقة الناخبين المترددين، في ظل تزايد الضغوط الاقتصادية وتعدد الجبهات السياسية التي فتحتها إدارة ترامب؟

وفي المقابل، لا يكفي الديمقراطيين تسجيل تراجع شعبية الرئيس لتحقيق اختراق انتخابي، إذ يتعين عليهم إقناع الناخبين بأنهم يمتلكون بديلا سياسيا واقتصاديا قادرا على معالجة الأزمات، وليس الاكتفاء باستثمار أخطاء الإدارة الحالية.

وبين هذين الرهانين، تبدو انتخابات التجديد النصفي اختبارا مزدوجا لشعبية ترامب ولقدرة الحزبين على تحويل المزاج العام إلى أصوات انتخابية.

كما أن نتائجها قد تنعكس على طريقة تدبير واشنطن لعدد من الملفات الدولية، من الحرب على إيران وأوكرانيا إلى العلاقة مع إسرائيل والسياسة التجارية الأميركية.

فإذا تمكن الديمقراطيون من انتزاع الأغلبية، فإن ترامب سيجد نفسه أمام كونغرس أكثر استعدادا لمراقبة قراراته ومساءلة إدارته، بينما سيمنحه احتفاظ الجمهوريين بالسيطرة فرصة لمواصلة برنامجه السياسي بأقل قدر من القيود التشريعية.

وهكذا، لن يكون الرهان الحقيقي في هذا الاستحقاق هو عدد المقاعد التي سيحصدها كل حزب فحسب، بل طبيعة الرسالة التي سيوجهها الناخب الأميركي إلى رئيسه: هل يمنحه تفويضا لمواصلة خياراته، أم يختار فرض توازن سياسي جديد يحد من نفوذه خلال ما تبقى من ولايته؟

المصدر: وكالات وصحافة دولية

اقرأ أيضا…

هل يقود ترامب الجمهوريين إلى خسارة الكونغرس؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى