
دعت المنظمة المغربية لحقوق الإنسان إلى فتح أفق جديد للانفراج الحقوقي بالمغرب، وتعزيز ضمانات ممارسة الحريات العامة، وجعل فعلية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية في صلب أولويات السياسات العمومية، مؤكدة في الوقت ذاته ضرورة إصلاح منظومة الأمم المتحدة وإحصاء ساكنة مخيمات تندوف، بما يضمن حقوقها الأساسية ويحمي الاستقرار الإقليمي.
وجاءت هذه المواقف ضمن خلاصات أشغال المجلس الوطني للمنظمة المغربية لحقوق الإنسان، المنعقد في دورة حملت اسم الراحل عبد العزيز بناني، والتي شكلت مناسبة لاستحضار مساره الحقوقي وإسهاماته في تأسيس المنظمة وتطوير عمل الحركة الحقوقية المغربية.
ملف الصحراء.. دعوة إلى إصلاح منظومة الأمم المتحدة وإحصاء ساكنة المخيمات
وفي ما يتعلق بمستجدات ملف الصحراء، اعتبر المجلس الوطني أن التحولات التي يعرفها المسار الأممي تفرض فتح نقاش حقوقي ودولي حول إصلاح منظومة الأمم المتحدة، حتى تضطلع بدورها كآلية دولية فعالة في معالجة القضايا المرتبطة بالسلم والأمن، بعيداً عن الحسابات الإقليمية التي قد تجعل مصالح الشعوب في مرتبة ثانوية.
وجددت المنظمة تأكيد مطلب إحصاء ساكنة مخيمات تندوف، باعتباره مدخلاً أساسياً لتمكينها من حقوقها المكفولة بموجب القانون الدولي، وفي مقدمتها الحق في الحصول على بطاقة لاجئ وحرية التنقل، محذرة من التداعيات الإنسانية والحقوقية للوضع القائم داخل المخيمات وانعكاساته المحتملة على الاستقرار الإقليمي.
الحريات العامة.. مطالب بضمان حرية التعبير والصحافة والاحتجاج
وعلى المستوى الوطني، شدد المجلس على ضرورة ضمان الممارسة الفعلية لحرية الرأي والتعبير والصحافة والتجمع والتظاهر السلميين وتأسيس الجمعيات، مع توفير الضمانات القانونية والمؤسساتية الكفيلة بحماية هذه الحقوق.
كما دعا إلى مراجعة شاملة للمنظومة القانونية المنظمة للحريات العامة، وتعزيز الحماية القانونية للمدافعات والمدافعين عن حقوق الإنسان، وتمكين الجمعيات والمنظمات الحقوقية من أداء أدوارها في الرصد والترافع، خاصة خلال فترات الاحتجاجات الاجتماعية السلمية.
العدالة الاجتماعية والصحة والتعليم في صلب المطالب
ولم يغفل المجلس الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية للحقوق، إذ دعا إلى جعل العدالة الاجتماعية والمجالية أولوية في السياسات العمومية، وضمان الولوج العادل والمنصف إلى الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها الصحة والتعليم.
كما نبه إلى ضرورة إدماج البعد البيئي في السياسات العمومية، في ظل التحديات المرتبطة بالتغيرات المناخية والإجهاد المائي واستنزاف الموارد الطبيعية، مع التعبير عن انشغاله بالتأخر المسجل في تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية وعدم الالتزام بعدد من مقتضيات القانون التنظيمي المتعلق بها.
الشباب والنساء والفئات الهشة.. دعوة إلى سياسات أكثر إنصافاً
وفي محور الشباب، أكدت المنظمة أن قضايا هذه الفئة لا ينبغي اختزالها في مقاربات تقنية أو ظرفية، بل يتعين التعامل معها من منظور حقوقي يضمن المشاركة الحقيقية في إعداد السياسات العمومية، ويوفر فضاءات للحوار والتعبير والمشاركة المواطنة.
كما طالبت بتعزيز المساواة الفعلية ومحاربة مختلف أشكال التمييز، ومواصلة إصلاح مدونة الأسرة بما يستجيب لمطالب الحركة الحقوقية ويعزز حقوق النساء والأطفال، إلى جانب تفعيل هيئة المناصفة ومناهضة جميع أشكال التمييز، وضمان الحقوق الكاملة للأشخاص في وضعية إعاقة.
الهجرة واللجوء.. المطالبة بإطار قانوني يحمي الكرامة الإنسانية
وفي ما يخص قضايا الهجرة واللجوء، دعت المنظمة إلى مراجعة وتحيين الاستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء، وإصلاح الإطار القانوني والمؤسساتي المنظم لهذا المجال، مع إصدار قانون خاص باللجوء ينسجم مع الالتزامات الدولية للمغرب.
كما نددت بما وصفته باستمرار انتهاكات حقوق المهاجرين خلال أحداث العبور الجماعي نحو سبتة ومليلية المحتلتين في شهري يوليوز وغشت 2026، مطالبة السلطات الإسبانية باحترام التزاماتها الحقوقية وفتح تحقيق قضائي بشأن الاعتداءات التي طالت الشباب والنساء والأطفال والقاصرين.
انفراج حقوقي ومحاسبة الذاكرة.. تحذير من تبييض الانتهاكات
ومن أبرز المواقف التي حملها بيان المجلس الوطني، الدعوة إلى تصفية الأجواء الحقوقية وفتح أفق جديد للانفراج، من خلال الإفراج عن ما تبقى من معتقلي الاحتجاجات الاجتماعية بالحسيمة وشباب جيل زيد والمدونين، وكافة المتابعين بسبب التعبير عن الرأي.
كما دعت المنظمة إلى اعتماد سياسة جنائية تجعل قانون الصحافة والنشر الإطار المرجعي لمتابعة الصحافيات والصحافيين عند الاقتضاء، بدل اللجوء إلى القانون الجنائي.
وفي موقف لا يخلو من دلالات سياسية وحقوقية، عبر المجلس عن قلقه من عودة بعض المتورطين في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان إلى واجهة العمل العام، مشدداً على أن صيانة ذاكرة العدالة الانتقالية وحماية مكتسبات هيئة الإنصاف والمصالحة وكرامة الضحايا مسؤولية جماعية، تقتضي التصدي لكل محاولات تبييض ماضي الانتهاكات أو المساس بما تحقق من مكتسبات حقوقية.
حوار مؤسساتي بدل التدبير الظرفي للاحتقان
ودعا المجلس الوطني إلى إرساء حوار مؤسساتي منتظم وفعلي مع الحركة الحقوقية والمجتمع المدني، معتبراً أن نجاح أي سياسة عمومية يظل رهيناً بإشراك الفاعلين المدنيين والحقوقيين في إعدادها وتقييمها، والتفاعل الجدي مع مذكراتهم وتوصياتهم.
وتعكس هذه الخلاصات، في مجملها، رغبة المنظمة المغربية لحقوق الإنسان في جعل المرحلة المقبلة محطة لتعزيز الثقة بين المؤسسات والمجتمع، والانتقال من الالتزامات المعلنة إلى ضمانات ملموسة تكفل الحقوق والحريات وتكرس دولة الحق والقانون.
وختم المجلس الوطني بيانه بالتأكيد على مواصلة عمل المنظمة الحقوقي المستقل في مجالات الرصد والتتبع والتقييم والترافع والاقتراح، دفاعاً عن حقوق الإنسان في كونيتها وشموليتها، وإسهاماً في بناء مجتمع تسوده الكرامة والمساواة والعدالة الاجتماعية.





