الرئسيةمجتمع

وهبي يفكك رقم 154 ألف طلاق..هل تتحرر المرأة أم تنهار الأسرة؟

دعا وزير العدل عبد اللطيف وهبي إلى مراجعة طريقة قراءة الأرقام المرتبطة بالطلاق في المغرب، محذرا من الخلط بين عدد الملفات المعروضة على المحاكم وحالات الانفصال التي انتهت فعليا بأحكام قضائية. غير أن مداخلته خلال الجلسة العمومية للأسئلة الشفوية بمجلس النواب تجاوزت الجانب الإحصائي، لتفتح نقاشا اجتماعيا حول تحولات الأسرة المغربية، واستقلالية المرأة، والمسؤولية المشتركة عن فشل العلاقة الزوجية.

154 ألف قضية.. هل كل طلب يعني طلاقا؟

أوضح وهبي أن الرقم المتداول، والبالغ 154 ألفا و377 قضية طلاق وتطليق خلال سنة 2025، لا ينبغي تقديمه باعتباره حصيلة نهائية لحالات الانفصال، لأن الأمر يتعلق بملفات وطلبات معروضة على القضاء، لا بأحكام نهائية صادرة بالتطليق.

وأشار إلى أن عددا من هذه المساطر لا يستكمل طريقه إلى النهاية، سواء بفعل تدخل العائلات، أو تراجع الزوجين عن قرار الانفصال، أو عدم استكمال الإجراءات القانونية.

واعتبر أن تعدد المؤسسات التي تنتج الأرقام واختلاف مناهج احتسابها يفرضان اعتماد قاعدة إحصائية موحدة، تميز بوضوح بين طلب الطلاق والحكم النهائي بالتطليق.

لكن هذا التوضيح، وإن كان ضروريا لتصحيح القراءة الإحصائية، لا يلغي حقيقة أن حجم النزاعات الزوجية المعروضة على القضاء يستحق نقاشا أعمق من مجرد التدقيق في الأرقام.

المرأة ليست المتهمة كلما انتهى الزواج

في واحدة من أبرز رسائل مداخلته، انتقد وزير العدل النظرة الاجتماعية التي تجعل المرأة موضع اتهام بمجرد انتهاء زواجها، وكأنها تتحمل وحدها مسؤولية فشل العلاقة، بينما يعفى الرجل تلقائيا من أي مساءلة.

وتساءل وهبي عن طبيعة الحكم الذي ينبغي إصداره على الطلاق: هل هو بالضرورة واقعة سلبية أم قد يكون أحيانا مخرجا من علاقة لم تعد قابلة للاستمرار؟

وشدد على أن الزواج مسؤولية مشتركة، وأن قرار إنهائه لا يمنح المجتمع الحق في التشكيك في أخلاق المرأة أو تحميلها وحدها تبعات الانفصال.

كما استحضر التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي عرفتها النساء المغربيات، خصوصا ارتفاع حضورهن في سوق الشغل واتساع هامش استقلالهن المادي، معتبرا أن هذه التحولات جعلتهن أكثر قدرة على اتخاذ قرار المغادرة، بعدما كان الخوف من الفقر والتبعية الاقتصادية وضغط الأسرة والتقاليد يدفع كثيرا منهن إلى الاستمرار في علاقات زوجية متعثرة.

وفي هذا السياق، طرح وهبي مفارقة تستحق النقاش: كيف يمكن الاعتراف للمرأة بحق اختيار شريك حياتها، ثم التشكيك في حقها في إنهاء الزواج عندما يصبح استمرار العلاقة متعذرا؟

الوساطة ومكاتب جديدة لحل النزاعات

على المستوى المؤسساتي، كشف وزير العدل عن توجه نحو إسناد الوساطة في قضايا الطلاق إلى المجالس العلمية المحلية، إلى جانب إحداث مكاتب مستقلة للوساطة بهدف احتواء الخلافات الزوجية قبل وصولها إلى الانفصال النهائي.

وأقر بصعوبة قيام القاضي بوساطة أسرية معمقة، في ظل كثافة الملفات وضيق الوقت، رغم اعتماد الوزارة إجراءات تروم الحد من حالات التفكك الأسري.

واستحضر وهبي معاناة نساء كن يقضين سنوات طويلة في أروقة المحاكم من أجل الحصول على الطلاق، قائلا إن بعضهن كن ينتظرن عشرين سنة دون أن يتمكن من إنهاء العلاقة الزوجية، قبل أن يستدرك بأن الوضع تغير اليوم وأصبحت المرأة قادرة على الوصول إلى الطلاق.

كما أشار إلى أن المغرب لا يزال يشتغل بمقتضيات مدونة الأسرة لسنة 2004، معلنا أمله في إحالة مشروع التعديلات المرتقبة على البرلمان خلال الشهرين المقبلين.

التحليل: هل المشكلة في ارتفاع الطلاق أم في استمرار زيجات فاشلة؟

الخطاب الذي قدمه وهبي يطرح تحولا مهما في مقاربة الظاهرة؛ فبدل النظر إلى الطلاق باعتباره مؤشرا أخلاقيا على انهيار الأسرة، يدعو إلى فهمه داخل سياق التحولات الاقتصادية والاجتماعية وتغير موقع المرأة داخل المجتمع.

لكن اختزال الظاهرة في تحرر المرأة الاقتصادي لا يكفي لتفسيرها. فهناك أيضا الغلاء، والهشاشة، والبطالة، وصعوبة توفير السكن، وتراجع القدرة الشرائية، والعنف الزوجي، وضعف ثقافة الحوار وتقاسم المسؤوليات. وهي عوامل قد تجعل الحياة الزوجية مجالا لتراكم الأزمات بدل أن تكون فضاء للاستقرار والتضامن.

كما أن ارتفاع اللجوء إلى مسطرة الشقاق لا ينبغي قراءته آليا باعتباره دليلا على سهولة التخلي عن الزواج؛ فقد يكون، في حالات كثيرة، مؤشرا على عجز العلاقة الزوجية عن توفير الحد الأدنى من الكرامة والأمان والإنصاف.

والأخطر أن تتحول الوساطة إلى غاية في حد ذاتها، أو إلى وسيلة لإطالة معاناة طرف يريد إنهاء علاقة متعثرة. فالصلح لا تكون له قيمة إلا إذا كان اختيارا حرا ومتبادلا، وليس ضغطا اجتماعيا أو مؤسساتيا لإبقاء زواج فقد شروط استمراره.

إن الدفاع عن الأسرة لا يعني الدفاع عن استمرار كل الزيجات، كما أن حماية حقوق المرأة لا تعني تجاهل حقوق الأطفال أو مسؤولية الطرفين. المطلوب هو بناء علاقات أسرية قائمة على المساواة والاحترام وتقاسم الأعباء، مع ضمان انفصال عادل عندما يصبح الاستمرار مستحيلا.

المغرب لا يحتاج فقط إلى إحصاء حالات الطلاق، بل إلى فهم الأسباب التي تدفع الأزواج إلى المحاكم، وإصلاح الاختلالات التي تجعل الزواج أحيانا علاقة غير متكافئة. فالمعيار الحقيقي ليس عدد الزيجات التي تستمر، وإنما شروط استمرارها وكرامة أطرافها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى