
«إيكونوميست»: إسرائيل تخسر الإجماع الأمريكي
ما تزال نتائج انتخابات التجديد النصفي الأمريكية تلقي بظلالها على إسرائيل، بعدما كشفت عن اتساع دائرة الخلاف داخل الولايات المتحدة بشأن طبيعة العلاقة مع تل أبيب، وحجم الدعم العسكري والسياسي الذي تقدمه لها واشنطن.
وتزداد المخاوف الإسرائيلية من أن يؤدي تراجع نفوذ الجمهوريين إلى دفع الرئيس دونالد ترامب نحو تسريع إنهاء الحرب على إيران، فضلاً عن إعادة النظر في منظومة المساعدات العسكرية الأمريكية.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة «إيكونوميست»، فإن أصواتاً بارزة داخل الحزب الجمهوري لم تتردد في تحميل الدعم الأمريكي لإسرائيل جانباً من مسؤولية الهزيمة الانتخابية، في مؤشر على انتقال هذا الملف من دائرة التوافق التقليدي بين الحزبين إلى ساحة التجاذب السياسي والانتخابي.
دعم إسرائيل يتحول إلى عبء انتخابي
لم تنتظر الاتهامات داخل المعسكر الجمهوري الإعلان عن النتائج النهائية للانتخابات، إذ بدأت تتصاعد قبل إغلاق مكاتب التصويت، مع بروز مؤشرات الخسارة.
وخلال مقابلة أجريت معه يوم الانتخابات، تحدث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن إمكانية وقف المساعدات العسكرية لإسرائيل بحلول نهاية العام، معتبراً أن اقتصادها أصبح مزدهراً وأنها لم تعد بحاجة إلى هذا الدعم. لكنه أضاف مبرراً سياسياً لافتاً، حين وصف المساعدات بأنها أصبحت «نقطة نقاش سيئة».
أما نائبه جي دي فانس، فكان أكثر وضوحاً في ربط الهزيمة الجمهورية بالحرب على إيران، وبطبيعة العلاقة التي تجمع الولايات المتحدة بإسرائيل، وذلك في تصريحات أدلى بها في اليوم الموالي للاقتراع.
وتعكس هذه المواقف، وفق التقرير، اتساع الانتقادات الأمريكية للحروب الإسرائيلية، خصوصاً في غزة ولبنان، وما خلفته من غضب لدى شرائح من الناخبين والسياسيين، من مواقع وتوجهات مختلفة.
«أيباك» تفقد جزءاً من جاذبيتها السياسية
لم يعد الدعم غير المشروط لإسرائيل يحظى بالإجماع الذي ميز المواقف الأمريكية التقليدية، فقد أصبح التحالف مع تل أبيب موضوعاً حاضراً بقوة في عدد من المنافسات الانتخابية، بينما اختار مرشحون الإعلان عن رفضهم تلقي تمويل من لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية «أيباك»، المعروفة بدعمها لإسرائيل.
وفي خطوة تعكس حساسية هذا الملف، أعلنت المنظمة، قبل أسبوعين من الانتخابات، أنها ستتوقف عن تقديم الدعم للمرشحين، وهو ما اعتبره التقرير مؤشراً على إدراكها للتحول الذي طرأ على صورتها داخل المشهد السياسي الأمريكي.
وقد التقط المسؤولون الإسرائيليون دلالات هذه التحولات. ونقل التقرير عن أفنير غولوف، المدير الأول السابق في مجلس الأمن القومي الإسرائيلي، قوله إن تصريح ترامب يوم الانتخابات حمل رسالة سياسية مفادها أن إسرائيل لم تعد تحظى بالشعبية نفسها لدى الحزبين الأمريكيين.
من جانبه، يرى ألون بينكاس، القنصل العام الإسرائيلي السابق في نيويورك، أن تغيير شروط التحالف مع واشنطن كان أمراً متوقعاً منذ سنوات، مشيراً إلى أن نتنياهو يبدو أنه توصل مع ترامب إلى تفاهم بشأن إنهاء اتفاق المساعدات الحالي، دون أن يكون هناك اتفاق بديل جاهز.
مخاوف من قيود أمريكية على السلاح
تتجاوز المخاوف الإسرائيلية مسألة وقف المساعدات المالية والعسكرية، لتشمل احتمال تغير قواعد التعامل مع صفقات الأسلحة الأمريكية.
فترامب تحدث عن استمرار إمكانية شراء إسرائيل للمعدات العسكرية الأمريكية، لكن مع تحمل تكلفتها من ميزانيتها الخاصة. غير أن المسؤولين الإسرائيليين يخشون من أن يؤدي انتقال السيطرة على الكونغرس إلى الديمقراطيين إلى فرض قيود على طبيعة الأسلحة التي يمكن لإسرائيل الحصول عليها، وعلى شروط استخدامها، خصوصاً في الأراضي الفلسطينية.
وإذا اتجه الكونغرس الجديد إلى اعتماد إجراءات من هذا النوع، فإن إسرائيل قد تواجه ضغوطاً إضافية على صعيد علاقاتها الدولية، في وقت تتزايد فيه الانتقادات الموجهة إلى سياساتها العسكرية.
وفي المقابل، نقلت «إيكونوميست» عن دوف واكسمان، أستاذ العلوم السياسية بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، تقديره بأن حجم الانتصار الديمقراطي يشير إلى أن نفوذ الجناح اليساري الأكثر تشدداً في صياغة مشاريع القوانين سيظل محدوداً.
نتنياهو في قلب أزمة العلاقة مع واشنطن
تتزامن هذه التطورات مع تراجع الأغلبية البرلمانية التي كان يستند إليها بنيامين نتنياهو في الكنيست، وهو الذي طالما قدم نفسه باعتباره الأكثر خبرة في إدارة العلاقات مع الولايات المتحدة.
لكن التقرير يلفت إلى مفارقة سياسية تتمثل في أن فترة قيادته للحكومة شهدت تدهوراً ملحوظاً في صورة إسرائيل داخل الولايات المتحدة، إلى درجة أن دبلوماسيين إسرائيليين باتوا ينظرون إلى نتنياهو باعتباره عبئاً سياسياً على العلاقة مع الحليف الأمريكي.
وتطرح هذه المعطيات تساؤلات بشأن قدرة الحكومة الإسرائيلية على الحفاظ على مستوى الدعم الذي اعتادت الحصول عليه من واشنطن، خصوصاً في ظل تزايد الانقسامات الحزبية حول هذا الملف.
نهاية المساعدات تفتح فجوة مالية بمليارات الدولارات
على المستوى الاقتصادي، يتوقع التقرير أن يؤدي إنهاء المساعدات الأمريكية إلى إحداث عجز يقدر بنحو 7 مليارات دولار في الميزانية الإسرائيلية خلال العامين المقبلين.
ويأتي ذلك بعد ثلاث سنوات من الحروب على جبهات متعددة، استنزفت الموارد المالية والعسكرية لإسرائيل، ودفعتها إلى إطلاق برامج واسعة لإعادة بناء ترسانة جيشها، تضمنت طلبات لاقتناء طائرات ومروحيات ومعدات عسكرية متنوعة.
وبحسب صحيفة «وول ستريت جورنال»، ستكون إسرائيل مطالبة أيضاً بتسديد نحو 10 مليارات دولار إضافية بعد سنة 2028، مقابل معدات عسكرية سبق أن طلبتها.
ومع ذلك، لا يرى الخبير الاقتصادي الإسرائيلي ييغال نيومان أن وقف المساعدات سيشكل صدمة مالية كبرى، موضحاً أن هذه المساعدات لا تتجاوز نحو نصف في المائة من الناتج المحلي الإجمالي الإسرائيلي. لكنه يقر بأن تداعيات القرار ستكون أكبر من حساباته المالية المباشرة، بالنظر إلى ما يمثله الدعم الأمريكي من مكانة استراتيجية لإسرائيل.
الخطر الأكبر: فقدان الغطاء الدبلوماسي الأمريكي
لا تقتصر أهمية المساعدات الأمريكية بالنسبة لإسرائيل على توفير التمويل اللازم لشراء الأسلحة وتعزيز قدراتها العسكرية، بل تمتد إلى موقعها السياسي والدبلوماسي على المستوى الدولي.
فواشنطن ظلت لعقود حليفاً أساسياً لتل أبيب، ليس فقط من خلال التعاون العسكري والاقتصادي، وإنما أيضاً عبر توفير الحماية السياسية لها داخل المؤسسات الدولية، ولاسيما مجلس الأمن، حيث استخدمت الولايات المتحدة حق النقض «الفيتو» مراراً لإسقاط قرارات تنتقد إسرائيل أو تدين سياساتها.
ومن هنا، فإن التحول الجاري في الموقف الأمريكي قد تكون له انعكاسات تتجاوز قيمة المساعدات المالية، لتطال طبيعة التحالف نفسه وحدود الدعم السياسي الذي اعتادت إسرائيل الاستناد إليه.
وبذلك، تكشف نتائج الانتخابات الأمريكية عن تحول متزايد في النقاش الداخلي بشأن العلاقة مع إسرائيل، من حيث كلفتها العسكرية والمالية والسياسية، وتضع تل أبيب أمام تساؤل أساسي حول مستقبل تحالف ظل لعقود أحد أبرز ثوابت السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.





