الرئسيةصحةمجتمع

المغاربة يمولون الدواء…ويعجزون عن شرائه

في الوقت الذي يفترض فيه أن يشكل قطاع الدواء أحد أعمدة الأمن الصحي لأي مجتمع، تكشف الأرقام والمعطيات الرسمية أن المواطن المغربي يجد نفسه في قلب معادلة معقدة: يدفع الكثير مقابل خدمة لا تزال بعيدة عن مستوى الانتظارات.. هذا ما أكد عليه رئيس مجلس المنافسة، أحمد رحو، خلال الندوة التي عقدها المجلس يوم الثلاثاء 10 مارس 2026 لتقديم رأيه حول وضعية سوق الأدوية في المغرب، حيث بدا واضحاً أن الخلل لا يكمن فقط في الأسعار، بل في بنيةِ منظومةٍ كاملة تُمول أساساً من جيوب المواطنين.

المواطن… الممول الأول للمنظومة الصحية

أوضح أحمد رحو أن المواطن المغربي يؤدي ثمن منظومة توزيع الأدوية بطرق متعددة، سواء بشكل مباشر عند اقتناء الدواء من الصيدليات، أو بشكل غير مباشر عبر الضرائب والاقتطاعات الاجتماعية الموجهة إلى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، بمعنى آخر، فإن المواطن ليس مجرد مستهلك للدواء، بل هو الممول الحقيقي لسلسلة اقتصادية كاملة تدور حوله.

وتكشف هذه المفارقة عن واقع اقتصادي يطرح أكثر من علامة استفهام: فبينما يفترض أن يؤدي هذا التمويل المتعدد إلى تحسين جودة الخدمة وتسهيل الولوج إلى العلاج، تشير الملاحظات إلى أن الخدمة المقدمة لا تزال دون المستوى المنتظر، وهو ما يعكس خللاً في التوازن بين كلفة النظام الصحي ومردوديته الاجتماعية.

أرقام تكشف حجم السوق

تعكس الأرقام التي قدمها مجلس المنافسة بدورها الحجم الكبير الذي يمثله قطاع الأدوية داخل الاقتصاد الوطني، فحجم معاملات سوق الأدوية في المغرب يناهز 25 مليار درهم سنوياً، وهو رقم يضع هذا القطاع ضمن الأنشطة الاقتصادية الحيوية التي تجمع بين البعد الصحي والمالي في آن واحد.

غير أن توزيع هذه الكتلة المالية يكشف صورة أكثر تعقيداً، فحوالي 13 مليار درهم من هذه المعاملات تمر عبر الصيدليات، بينما تستحوذ سلسلة التوزيع على ما يقارب 60 في المائة من القيمة الإجمالية، أي ما يعادل ما بين 7 و8 مليارات درهم وهذه المبالغ، كما أشار رحو، تخرج في النهاية من جيب المواطن

اقتصاد الدواء بين الربح والحق في العلاج

تكشف هذه الأرقام أن سوق الدواء في المغرب لم يعد مجرد قطاع صحي تقليدي، بل تحول إلى منظومة اقتصادية متشعبة تتداخل فيها مصالح الشركات المصنعة والموزعين والصيدليات، إضافة إلى مؤسسات التأمين الصحي.. وبين هذه الحلقات جميعها يقف المواطن باعتباره الحلقة الأضعف، لكنه في الوقت نفسه الممول الأكبر.

ومن زاوية اجتماعية، يطرح هذا الواقع إشكالية العدالة في الولوج إلى العلاج، خاصة في ظل ارتفاع كلفة الأدوية مقارنة بالقدرة الشرائية لفئات واسعة من المجتمع، فحين يصبح العلاج مرتبطاً بقدرة الجيب أكثر مما هو مرتبط بالحاجة الصحية، تتحول المنظومة الصحية تدريجياً إلى سوق تتحكم فيه قواعد الربح قبل منطق الحق في الصحة.

أسئلة الإصلاح المؤجل

يعيد حديث مجلس المنافسة فتح النقاش حول ضرورة إصلاح عميق لمنظومة الدواء في المغرب، ليس فقط من زاوية الأسعار، بل أيضاً من زاوية تنظيم سلسلة التوزيع وضمان تنافسية حقيقية داخل السوق، فاقتصاد الدواء لا يمكن فصله عن السياسة الصحية للدولة، ولا عن التوازنات الاجتماعية التي تحدد قدرة المواطنين على الوصول إلى العلاج.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى