الرئسيةسياسة

مغاربة العالم خارج الصندوق..من يقصي أكثر من 6 ملايين

على بعد أيام قليلة من الانتخابات التشريعية المغربية، عاد ملف مغاربة العالم إلى الواجهة من بوابة سؤال سياسي قديم يتجدد في كل استحقاق: هل يتم التعامل مع ملايين المغاربة المقيمين خارج البلاد باعتبارهم مواطنين كاملي الحقوق، أم باعتبارهم امتدادا ماليا واجتماعيا للمغرب دون أن يكون لهم حضور فعلي في صناعة القرار؟

هذا السؤال تطرحه بقوة هذه المرة الهيئة المدنية الديمقراطية للهجرة المغربية، ومقرها باريس، التي وجهت انتقادات حادة إلى استمرار حرمان مغاربة العالم من المشاركة المباشرة في الانتخابات، سواء من خلال الترشح أو التصويت من بلدان الإقامة.

وفي بيان صدر بباريس في 12 شتنبر 2026، اعتبرت الهيئة أن استمرار هذا الوضع لم يعد قابلا للتفسير باعتباره مجرد تعقيد تقني أو تأخر إداري، بل يعكس، بحسب تعبيرها، اختيارا سياسيا يكرس إبعاد جزء واسع من المواطنين المغاربة عن الحياة الديمقراطية الوطنية.

ولا يقف البيان عند حدود آلية الاقتراع، بل يفتح مواجهة أوسع مع نموذج تمثيل مغاربة العالم، منتقدا استمرار تجميد الإطار القانوني المنظم للمجلس الاستشاري للجالية المغربية بالخارج، ومشككا في شرعيته التمثيلية وقدرته على التعبير عن ملايين المغاربة المقيمين خارج البلاد.

مواطنون بلا اقتراع مباشر

بالنسبة إلى المجلس المدني الديمقراطي للهجرة المغربية، فإن الإقامة خارج التراب الوطني لا يمكن أن تتحول إلى سبب لفقدان جزء من الحقوق السياسية.

ويعتبر البيان أن حرمان مغاربة العالم من الترشح والتصويت المباشر من دول الإقامة يضع مبدأ المساواة في المواطنة أمام اختبار حقيقي، لأن الانتماء إلى الدولة، وفق هذا التصور، لا يتوقف عند الحدود الجغرافية.

وترى الهيئة أن استمرار هذا الوضع يكرس نوعا من المواطنة المجزأة، حيث يُطلب من مغاربة العالم الحفاظ على صلتهم بالبلاد، والمساهمة في اقتصادها والدفاع عن مصالحها، بينما تظل مشاركتهم السياسية المباشرة مؤجلة.

الوكالة ليست بديلا عن المواطن

أكثر ما يرفضه البيان هو اعتماد التصويت بالوكالة باعتباره حلا لمشكلة مشاركة مغاربة العالم.

فالهيئة تعتبر أن تفويض مواطن لشخص آخر للتصويت باسمه لا يعوض المشاركة الشخصية والمباشرة في العملية الانتخابية، ولا يقدم، في نظرها، جوابا مقنعا عن مطلب إدماج ملايين المغاربة المقيمين بالخارج في الحياة السياسية.

وبحسب البيان، فإن اختزال حق انتخابي أصيل في إجراء بالوكالة يحول دون ممارسة المواطن لحقه بشكل مباشر، ويكشف، وفق أصحاب البيان، عن عجز مؤسساتي عن توفير آليات انتخابية أكثر انسجاماً مع التحولات التكنولوجية ومع تجارب عدد من الدول التي تتيح لمواطنيها المقيمين بالخارج التصويت عن بعد.

لذلك يطالب المجلس بإلغاء صيغة الوكالة واعتماد تصويت مباشر وإلكتروني من بلدان الإقامة.

من رافعة وطنية إلى مجرد تحويلات مالية

وينتقد البيان كذلك النظرة التي تختزل مغاربة العالم في التحويلات المالية التي يضخونها في الاقتصاد المغربي.

فمغاربة الخارج، وفق الهيئة، لا يمثلون فقط مصدراً للعملة الصعبة، وإنما يشكلون، عبر حضورهم في بلدان الإقامة، امتداداً للمغرب في مجالات متعددة، من الدفاع عن المصالح الوطنية والوحدة الترابية، إلى نقل الخبرات والكفاءات والاستثمار، مروراً بالمساهمة في التضامن الاجتماعي والتنمية المحلية.

ومن هذا المنظور، ترى الهيئة أن التعامل مع مغاربة العالم بمنطق «التحويلات» وحده يحجب أدوارا أخرى أكثر اتساعا، ويحول علاقة الدولة بمواطنيها في الخارج إلى علاقة يغلب عليها البعد الاقتصادي على حساب البعد السياسي والمواطني.

مجلس الجالية.. سؤال التمثيلية قبل سؤال المؤسسة

لكن قلب البيان لا يتعلق بالانتخابات وحدها.

فالهيئة تضع المجلس الاستشاري للجالية المغربية بالخارج في مواجهة سؤال أكثر إحراجا: من يمثل مغاربة العالم؟ وكيف اكتسب هذه المؤسسة شرعيتها التمثيلية؟

المجلس، الذي أُحدث بموجب ظهير سنة 2007 ودسترت مهمته سنة 2011، لا يزال ينتظر إخراج القانون التنظيمي الخاص به، رغم مرور سنوات طويلة على إحداثه.

وترى الهيئة أن استمرار هذا الوضع يطرح إشكالا مؤسساتيا وديمقراطيا، خصوصا في ظل غياب آلية انتخابية مباشرة تتيح لمغاربة العالم اختيار من يمثلهم.

وتزداد حدة هذا السؤال، بحسب البيان، عندما يتعلق الأمر بمؤسسة تستمر في العمل والاستفادة من الاعتمادات العمومية دون أن تكون تركيبتها ناتجة عن تفويض انتخابي مباشر من المواطنين الذين يفترض أن تمثلهم.

ثمانية عشر عاما من الانتظار

يصف البيان استمرار الوضع الحالي بأنه شكل من أشكال «التجميد المؤسساتي»، متسائلا عن الأسباب التي حالت دون إخراج الإطار القانوني الجديد إلى الوجود.

وتعتبر الهيئة أن مرور ما يقارب عقدين على إحداث المجلس دون حسم نهائي في بنيته القانونية وتمثيليته الديمقراطية يكشف، في نظرها، عن خلل يتجاوز الجانب التقني إلى طبيعة العلاقة التي تريد الدولة بناءها مع مغاربة العالم.

كما توجه انتقادا مباشرا إلى استمرار صرف الميزانيات العمومية على مؤسسة تعتبرها فاقدة للشرعية التمثيلية، مطالبة بربط الإنفاق العمومي بالحكامة والنجاعة والمساءلة والحصيلة.

وتضع بذلك المجلس أمام معادلة واضحة: إما إصلاح قواعد التمثيل والاشتغال، أو إعادة النظر جذرياً في المؤسسة نفسها.

حتى القصر طالب بتسريع الحل

ويكتسب هذا الملف بعدا إضافيا بالنظر إلى أن الدعوة إلى تسريع إخراج القانون المنظم للمجلس لم تعد مطلبا حصريا للمجتمع المدني.

ففي نونبر 2024، دعا الملك محمد السادس إلى تسريع إخراج الإطار القانوني الجديد المتعلق بالمؤسسة المعنية بالجالية.

غير أن استمرار الانتظار بعد ذلك يفتح سؤالا سياسيا لا يجيب عنه البيان وحده: ما الذي يعرقل منذ سنوات حسم وضع مؤسسة يفترض أن تكون إحدى الواجهات الأساسية لتمثيل مغاربة العالم؟

وهنا ينتقل النقاش من سؤال التأخر إلى سؤال المسؤولية، ومن مشكلة النص القانوني إلى طبيعة الإرادة السياسية التي تقف وراء استمرار الوضع القائم.

جيل جديد خارج المعادلة

ولا يحصر المجلس تداعيات الإقصاء في الجيل الحالي من مغاربة العالم.

فالبيان يحذر من أن استمرار إبعاد أبناء الهجرة المغربية عن المشاركة السياسية يمكن أن يضعف علاقتهم المؤسساتية بالمغرب، خصوصا لدى الأجيال التي ولدت ونشأت في بلدان الإقامة.

فكيف يمكن، يتساءل أصحاب البيان، مطالبة هذه الأجيال بالحفاظ على ارتباطها بالبلاد، والدفاع عن قضاياها ومصالحها، إذا كانت المؤسسات الوطنية نفسها لا تمنحها أدوات المشاركة السياسية الكاملة؟

بالنسبة إلى الهيئة، فإن الحفاظ على الارتباط بالمغرب لا يتحقق بالشعارات والمناسبات فقط، وإنما يحتاج إلى مساواة فعلية في الحقوق، وإلى تمثيل سياسي حقيقي، وإلى شعور بأن المواطن المقيم في باريس أو بروكسيل أو مونتريال أو مدريد لا تقل مواطنته عن مواطن يعيش داخل التراب الوطني.

«لسنا رعايا مؤجلين»

في ختام بيانها، ترفض الهيئة تحويل الإقامة بالخارج إلى ما تعتبره «عقوبة سياسية» تحرم ملايين المغاربة من المشاركة المباشرة.

وتطالب بإلغاء التصويت بالوكالة واعتماد التصويت المباشر والإلكتروني من بلدان الإقامة، وتحمل الحكومة والبرلمان مسؤوليتهما السياسية في استمرار الوضع الحالي، كما تدعو إلى إعادة بناء مؤسسة تمثيلية جديدة لمغاربة العالم على أساس الديمقراطية والشفافية والانتخاب والمساءلة.

وبلغة حادة، تختصر الهيئة موقفها في رسالة واحدة: مغاربة العالم ليسوا مواطنين مؤجلين إلى أجل غير مسمى، ولا مجرد خزّان للعملة الصعبة، بل جزء من الشعب المغربي ومن حقهم أن يكون لهم موقع مباشر في صناعة القرار الوطني.

ومن هنا، لا يعود السؤال فقط: لماذا لا يصوت مغاربة العالم مباشرة؟

بل يصبح السؤال الأعمق: لماذا ظل أكثر من ستة ملايين مغربي خارج المعادلة السياسية الوطنية كل هذه السنوات، ومن المستفيد من استمرار هذا الغياب؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى