
في قراءة سياسية وفكرية للجدل الذي رافق مداخلة عمر محمود بنجلون بمجلس النواب، قدم رشيد كديرة مقاربة تدعو إلى تجاوز منطق المواجهة بين اليسار المغربي والقضية الأمازيغية، معتبراً أن العلاقة بينهما ينبغي أن تُفهم في سياق تاريخي يجمع بين النضال من أجل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والدفاع عن التعدد الثقافي واللغوي للمغرب.
وأكد كديرة، في مداخلته، أن النقاش الذي أثارته تصريحات بنجلون لا ينبغي أن يتحول إلى مناسبة لتبادل الاتهامات أو إصدار أحكام عامة على اليسار المغربي، بل إلى فرصة لإعادة التأكيد على أن الهوية الوطنية المغربية متعددة المكونات، وأن الإنصاف الثقافي والاجتماعي يشكلان رهانين متكاملين.
رشيد كديرة يستحضر ذاكرة النضال الأمازيغي
واستحضر كديرة تجربة المؤرخ والشاعر علي صدقي أزايكو، الذي اعتقل سنة 1982 بسبب دفاعه عن الاعتراف بالأمازيغية ضمن الهوية الوطنية، معتبراً أن تاريخ المطالبة بالإنصاف اللغوي يفسر الحساسية التي يثيرها كل خطاب يمكن أن يُفهم منه التقليل من مكانة الأمازيغية.
وأشار إلى أن الأمازيغية لم تكن مجرد مطلب ثقافي عابر، بل قضية مرتبطة بالاعتراف بالتعدد داخل الدولة الوطنية، خصوصاً في مرحلة ما بعد الاستقلال، حين طغت تصورات اختزلت الهوية المغربية في مكون واحد.
ومن هذا المنطلق، يرى كديرة أن استحضار هذه الذاكرة التاريخية يقتضي التعامل بمسؤولية مع النقاش العمومي، مع التمييز بين النيات التي تحرك السياسيين والأثر الذي قد تتركه تصريحاتهم لدى المواطنين.
مداخلة بنجلون بين النية وأثر الكلمات
وتوقف كديرة عند مداخلة عمر محمود بنجلون، التي أثارت جدلاً بسبب حديثه عن الاعتمادات المالية المخصصة للنهوض بالأمازيغية، إلى جانب استعماله عبارة «لغتنا الرسمية ألا وهي لغة الضاد».
وأوضح أن بنجلون قدم، في توضيحه اللاحق، تفسيراً لمقصده، يتمثل في انتقاد تعثر رئيسة الحكومة في إلقاء خطاب مكتوب، والتأكيد على أن تمكين المسؤولين من استعمال لغتهم في التواصل الرسمي لا يحتاج إلى ميزانية إضافية.
غير أن كديرة اعتبر أن الإشكال يكمن في الطريقة التي صيغت بها الفكرة، إذ يمكن أن تُفهم المقارنة بين الاعتمادات المالية المخصصة للأمازيغية والدفاع عن العربية باعتبارها وضعاً للغتين في مواجهة بعضهما البعض.
ويخلص هذا التحليل إلى أن وضوح الموقف من رسمية اللغتين كان كفيلاً بتجنب جانب من الجدل، خصوصاً أن دستور 2011 أقر العربية والأمازيغية لغتين رسميتين للدولة.
اليسار والأمازيغية.. تقاطع في القيم والمطالب
وفي قراءته للعلاقة بين اليسار المغربي والقضية الأمازيغية، شدد كديرة على أن وضع الطرفين في معسكرين متقابلين يتجاهل تقاطعاً تاريخياً وفكرياً بينهما.
فاليسار المغربي، وفق هذه المقاربة، ارتبط بالنضال من أجل التحرر الوطني والديمقراطية والعدالة الاجتماعية ومناهضة الاستبداد، وهي مبادئ لا تتعارض مع الدفاع عن الأمازيغية، بل تلتقي مع المطالبة بإنصاف جميع مكونات المجتمع المغربي.
كما أن أشكال التضامن والتدبير الجماعي والتشاور التي عرفتها المجتمعات الأمازيغية التقليدية تعكس قيماً اجتماعية تتقاطع مع مبادئ العدالة والمشاركة والتعاون.
ومن ثم، فإن الرهان لا يتمثل في الاختيار بين الانتماء اليساري والدفاع عن الأمازيغية، بل في بناء مشروع ديمقراطي يستوعب التعدد الثقافي ويواجه الاختلالات الاجتماعية والاقتصادية.
من الميزانيات المعلنة إلى المحاسبة
وانتقل كديرة إلى الجانب العملي من النقاش، معتبراً أن القضية الأمازيغية لا ينبغي أن تظل محصورة في السجالات السياسية، بل يتعين تقييمها انطلاقاً من مدى حضور اللغة الأمازيغية في المدرسة والإدارة والقضاء والإعلام.
كما دعا مضمون مداخلته إلى التعامل بجدية مع الأرقام المرتبطة بالتمويل العمومي، والتمييز بين المبالغ المعلن عنها في البرامج الحكومية والاعتمادات المرصودة فعلياً في قوانين المالية والنفقات التي جرى تنفيذها على أرض الواقع.
فالمطلوب، وفق هذه المقاربة، ليس الاكتفاء بإعلان الميزانيات، بل نشر حصائل دقيقة تتيح للمواطنين معرفة ما تحقق فعلياً في مجال تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية.
وفي المقابل، شدد النقاش على أن الأزمة الاقتصادية والاجتماعية لا تقل أهمية عن مسألة الهوية، وأن معالجة الفقر والتفاوتات المجالية وصعوبات العيش ينبغي أن تسير بالتوازي مع إنصاف التعدد اللغوي والثقافي.
دعوة إلى تجنب التصعيد
وخلصت قراءة رشيد كديرة إلى أن الجدل الذي أعقب مداخلة بنجلون ينبغي ألا يتحول إلى مواجهة بين المدافعين عن الأمازيغية واليساريين، أو إلى مناسبة للتشكيك في النيات والانتماءات.
فالدفاع عن العربية لا يستلزم الانتقاص من الأمازيغية، كما أن المطالبة بإنصاف الأمازيغية لا تقتضي وضعها في مواجهة العربية أو العدالة الاجتماعية.
ويبقى التحدي الحقيقي، وفق هذه الرؤية، هو بناء هوية وطنية جامعة تستوعب التعدد، وتعزيز الديمقراطية والكرامة والعدالة الاجتماعية، وتحويل الاعتراف الدستوري إلى سياسات عمومية قابلة للتقييم والمحاسبة.
وبذلك، لا ينبغي أن يكون الخلاف حول الكلمات سبباً لإهدار المشترك بين مكونات المجتمع المغربي، بل مدخلاً لتصحيح الخطاب السياسي وتعزيز الثقة، بما يجعل التعدد الثقافي رافعة للوحدة الوطنية لا مصدراً للانقسام.





