الرئسيةمجتمع

مليارات للدعم.. فمن يعالج أصل الأزمة؟

لماذا لا يزال المغرب يدفع ثمن الأزمة بدل إنهائها؟

كلما اقترب موعد مناقشة قانون المالية، عاد السؤال ذاته إلى الواجهة: إلى متى سيظل المغرب يعالج آثار الأزمات بدل أسبابها؟ فالحكومة، التي رفعت منذ بداية ولايتها شعار “الدولة الاجتماعية“، تجد نفسها مجدداً أمام خيار ضخ مليارات الدراهم لدعم المواد الأساسية، في محاولة لحماية القدرة الشرائية واحتواء تداعيات الغلاء..

ومع مرور السنوات، لم يعد الدعم مجرد إجراء اجتماعي استثنائي، بل تحول إلى اعتراف ضمني بأن الاقتصاد الوطني لم ينجح بعد في حماية القدرة الشرائية للمواطن دون تدخل دائم من المال العام.

هذا ما تؤكده ملامح مشروع قانون المالية لسنة 2027، بعدما أعلن رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، تخصيص نحو 13.2 مليار درهم لمواصلة دعم أسعار غاز البوتان والسكر والدقيق الوطني المصنوع من القمح اللين، رقم يعكس حجم العبء الذي تتحمله الميزانية، لكنه يكشف أيضاً أن الإصلاحات الاقتصادية التي رُوّج لها خلال السنوات الأخيرة لم تنجح في تحرير الأسر من الارتهان للدعم العمومي.

المقاصة مستمرة… اقتصاد يطارد الأزمات بدل أن يمنعها

رغم استمرار ضخ مليارات الدراهم في صندوق المقاصة، لا تزال القدرة الشرائية تواجه ضغوطاً متواصلة، فقد سجلت المندوبية السامية للتخطيط أن التضخم بلغ ذروته عند 6.6 في المائة سنة 2022، بينما لم تسترجع مداخيل كثير من الأسر قيمتها الحقيقية رغم تباطؤ وتيرة ارتفاع الأسعار، كما يبقى الاقتصاد الوطني رهيناً لاستيراد جانب مهم من حاجياته من الطاقة والحبوب، وهو ما يجعل أي اضطراب في الأسواق الدولية أو أي موسم جفاف ينعكس مباشرة على الأسعار وعلى توازنات المالية العمومية.

ويؤكد اقتصاديون أن استمرار الدعم بالشكل الحالي يعكس تأخر الانتقال إلى منظومة تستهدف الأسر الأكثر هشاشة بكفاءة أكبر، وفي الوقت نفسه يبرز محدودية السياسات الإنتاجية القادرة على تقليص التبعية للخارج وتعزيز الأمن الغذائي والطاقي.

الحوار الاجتماعي… ثمن السلم الاجتماعي

وفي السياق نفسه، رصدت الحكومة 3.9 مليار درهم لاستكمال التزامات الحوار الاجتماعي، ومعالجة ملفات المهندسين والمتصرفين والتقنيين، إضافة إلى تحسين معاشات المتقاعدين التي تقل عن الحد الأدنى للأجر.

ولا خلاف حول أهمية تحسين أوضاع هذه الفئات، غير أن تكرار جولات الحوار الاجتماعي بوتيرتها الحالية يعكس استمرار الضغوط المعيشية أكثر مما يعكس نجاح السياسات الاقتصادية.. فكلما ارتفعت كلفة الحياة، اتسعت المطالب برفع الأجور وتحسين المعاشات، لتتحول الميزانية إلى أداة لامتصاص الاحتقان، بدل أن تكون محركاً لإنتاج الثروة وتقليص الفوارق، في غياب إصلاحات اقتصادية ترفع الإنتاجية وتخلق مناصب شغل ذات دخل قادر على مجاراة كلفة الحياة.

الدولة الاجتماعية… بين الطموح والاختبار

وفي قطاع السكن، أكدت الحكومة استمرار برنامج الدعم المباشر للأسر خلال سنة 2027، إلى جانب مواصلة برامج القضاء على السكن غير اللائق، غير أن امتلاك سكن لائق لا يتوقف على قيمة الدعم فقط، بل يرتبط أيضاً بمستوى الدخل، وأسعار العقار، وكلفة التمويل البنكي، وهي عوامل لا تزال تجعل حلم التملك بعيد المنال بالنسبة لعدد كبير من الأسر.

وبين 13.2 مليار درهم للمقاصة، و3.9 مليار درهم للحوار الاجتماعي، وبرامج متواصلة لدعم السكن، تبدو الرسالة واضحة: الدولة تنفق بسخاء لتخفيف آثار الأزمة، لكنها لا تزال مطالبة بإقناع المغاربة بأنها تمتلك، إلى جانب سياسة الدعم، رؤية اقتصادية قادرة على تقليص الحاجة إليه مستقبلاً، فنجاح أي نموذج اجتماعي لا يقاس بحجم الأموال التي تُصرف لإدارة الأزمات، بل بقدرته على بناء اقتصاد يجعل المواطن أقل اعتماداً على الدعم وأكثر اعتماداً على دخل كريم ومستقر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى