
في موسم الانتخابات، تبدو نسبة 30 في المائة سهلة النطق، جذابة في البرامج، ومغرية في الخطابات. لكن الوصول إليها في سوق الشغل المغربي ليس مجرد رفع رقم في وثيقة انتخابية، بل مشروع اقتصادي واجتماعي له كلفة، ويحتاج إلى وظائف واستثمارات وخدمات عمومية وتمويل مستدام.
ومع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية في 23 شتنبر، عادت قضية تشغيل النساء إلى واجهة البرامج الحزبية، مع وعود برفع نسبة مشاركتهن في سوق الشغل إلى 30 في المائة.
غير أن السؤال الذي يسبق الاحتفال بالرقم هو: كم سيكلف الوصول إليه؟ ومن سيدفع هذه الكلفة؟
30% ليست مجرد نسبة
الانتقال من حوالي 17.5 في المائة إلى 30 في المائة يعني أكثر بكثير من إضافة نقاط مئوية إلى مؤشر إحصائي.
إنه يعني إدخال أعداد إضافية من النساء إلى سوق العمل، وخلق وظائف جديدة، وتوسيع قدرة الاقتصاد على استيعابهن، والأهم إبقاء النساء اللواتي يعملن أصلاً داخل سوق الشغل بدل دفعهن إلى الانسحاب بسبب أعباء الأسرة أو ضعف ظروف العمل.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل نريد 30 في المائة؟
بل: كم وظيفة نحتاج للوصول إليها، وأين سنخلقها؟
الوظائف لا تولد من البرامج
لا تستطيع الدولة، مهما رفعت من سقف التوظيف العمومي، أن تحمل وحدها عبء رفع مشاركة النساء في سوق العمل.
الرهان الأكبر سيكون على القطاع الخاص، والاستثمار، والمقاولات الصغرى والمتوسطة، والاقتصاد الاجتماعي، والقطاعات التي يمكنها خلق وظائف جديدة للنساء.
ولهذا تتحدث البرامج الانتخابية عن تحفيز المقاولات على تشغيل النساء، ودعم المقاولات النسائية، وتسهيل التمويل والمواكبة، وتطوير برامج التكوين.
لكن كل تحفيز له ثمن، وكل إعفاء ضريبي له كلفة، وكل برنامج تكوين يحتاج إلى ميزانية.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
وظيفة بلا حضانة.. نصف حل
حتى عندما توجد الوظيفة، لا يعني ذلك بالضرورة أن المرأة قادرة على قبولها أو الاستمرار فيها.
الحضانة، ورعاية الأطفال، والنقل، وبعد مكان العمل، وساعات الاشتغال، والأجر، كلها عناصر قد تحدد ما إذا كانت المرأة ستدخل سوق الشغل أو ستغادره.
ولهذا فإن رفع مشاركة النساء لا يمكن اختزاله في خلق الوظائف. المطلوب أيضاً بناء ما يمكن تسميته البنية التحتية الاجتماعية للعمل: حضانات متاحة، نقل آمن، تكوين مستمر، إعادة تأهيل، ظروف عمل أكثر مرونة، وإمكانية العمل عن بعد في القطاعات التي تسمح بذلك.
والمفارقة أن الاستثمار في خدمات الرعاية يمكن أن يخلق بدوره وظائف جديدة، خصوصاً في الحضانات ورعاية الأطفال والمسنين، إذا جرى تنظيم القطاع وتمويله بشكل واضح.
كل إعفاء له ثمن
هنا تصطدم الوعود الانتخابية بالحساب المالي.
فبحسب المعطيات المالية الرسمية، بلغت المداخيل العادية للميزانية العامة سنة 2026 نحو 421.3 مليار درهم، مقابل نفقات عادية في حدود 391.5 مليار درهم.
وفي الوقت نفسه، تتراكم الالتزامات العمومية في مجالات متعددة، من الأجور والدعم إلى التشغيل والحماية الاجتماعية.
لذلك فإن أي خطة واسعة لرفع تشغيل النساء مطالبة بالإجابة عن سؤال التمويل.
إذا منحت الدولة المقاولات إعفاءات ضريبية مقابل تشغيل النساء، فمن سيتحمل الإيرادات التي ستتخلى عنها الخزينة؟
وإذا موّلت التكوين والحضانات والنقل، فمن أين ستأتي الاعتمادات؟
وإذا دعمت المقاولات النسائية، فما حجم الغلاف المالي؟ وما شروط الاستفادة؟ وكيف سيتم قياس النتائج؟
من 17.5% إلى 30%.. المسافة لها ثمن
الانتخابات يمكن أن تنتج أهدافاً كبيرة، لكن الاقتصاد هو الذي يختبر إمكانية تنفيذها.
فالانتقال من نحو 17.5 في المائة إلى 30 في المائة يتطلب أكثر من إرادة سياسية: يحتاج إلى نمو قادر على خلق وظائف، واستثمارات منتجة، ومقاولات قادرة على التوظيف، وسياسات ضريبية واضحة، وخدمات اجتماعية تخفف عن النساء كلفة العمل.
وبالتالي، فإن قيمة أي وعد انتخابي في هذا المجال لا تقاس فقط بالنسبة التي يضعها في الواجهة، وإنما بالحساب الذي يضعه خلفها.
كم وظيفة؟ كم مليار درهم؟ من سيدفع؟ ومتى ستظهر النتائج؟
هذه هي الأسئلة التي تبدأ عندها السياسة الحقيقية لتشغيل النساء، وتنتهي عندها عادةً الشعارات الانتخابية.





