اقتصادالرئسية

إصلاح ضريبي على الدخل.. والغلاء يلتهم المكاسب

يفتح الإصلاح المرتقب للضريبة على الدخل بالمغرب باباً لاستعادة جزء من الأجر الذي ظل يبتلعه الاقتطاع الجبائي، لكنه يفتح، في الوقت نفسه، سؤالا أكثر إحراجا: هل تكفي مئات الدراهم الإضافية لتخفيف اختناق الأسر بين الغلاء وتكاليف العيش؟

فبحسب المحاكاة المعروضة، سيكسب الأجير الذي يبلغ دخله الشهري 10 آلاف درهم 500 درهم إضافية ابتداءً من 2027، مقابل 316.67 درهماً لمن يتقاضى 5 آلاف درهم، و466.67 درهماً لمن يبلغ دخله 8 آلاف درهم. مبالغ قد تعيد بعض المرونة إلى ميزانيات الأسر، بين مصاريف الغذاء والسكن والنقل وتمدرس الأبناء، لكنها لا تعني تلقائياً استعادة القدرة الشرائية التي أضعفتها كلفة المعيشة.

مكاسب تتراكم.. والإنصاف ليس رقماً واحداً

لا يتوقف المسار عند 2027، بل تتواصل المكاسب وفق المحاكاة على نحو متفاوت، فبالنسبة إلى دخل شهري قدره 10 آلاف درهم، تصل الاستفادة الإضافية إلى 316.67 درهماً سنة 2028، ثم 250 درهماً سنة 2029، دون مكاسب إضافية في 2030 و2031.

أما صاحب دخل 20 ألف درهم، فتبلغ مكاسبه الإضافية 966.67 درهماً سنة 2028، و733.33 درهماً سنة 2029، و333.33 درهماً في كل من 2030 و2031، لتصل المكاسب الشهرية المتراكمة إلى 2866.66 درهماً مقارنة بالوضع السابق للإصلاح.

ويكشف هذا التفاوت أن العدالة الضريبية لا تختزل في تخفيض الاقتطاعات، بل تشمل أيضاً توزيع منافعها، فالدراهم نفسها لا تؤدي الوظيفة الاجتماعية ذاتها لدى أسرة محدودة الدخل وأسرة ذات هامش مالي أوسع، كما أن الدخل الصافي الخاضع للضريبة ليس بالضرورة مرادفاً للأجر الإجمالي.

87% معفيون.. والميزانية تدفع الفاتورة

تتجه الحكومة إلى رفع سقف الدخل السنوي الصافي المعفى من 40 ألفاً إلى 60 ألف درهم، أي 5 آلاف درهم شهرياً، وتقليص الشرائح إلى ثلاث بنسب 10 و20 و30 في المائة، بعدما كان المعدل الهامشي الأعلى 37 في المائة.. وفي هذا السياق، أعلن وزير الميزانية، وفق تصريح اعلامي في 23 أكتوبر، أن 87% من الملزمين سيصبحون معفيين، بكلفة ميزانياتية متوقعة تبلغ 5.5 مليارات درهم.

غير أن توسيع الإعفاءات يطرح تحدي تمويل الخدمات العمومية، خصوصاً أن الضريبة على الدخل تمثل مورداً مالياً مهماً، كما أن إصلاحاً ينصف الأجراء ينبغي ألا ينقل العبء بصورة غير متوازنة إلى استهلاك الأسر عبر الضرائب غير المباشرة.

امتحان السياسة الاجتماعية

لا تُقاس قيمة الإصلاح بما سيظهر في ورقة الأجر وحدها، بل بما سيبقى منها بعد أداء الفواتير، فحين يتحول جزء من الراتب إلى مجرد عبور مؤقت نحو نهاية الشهر، تصبح الحماية الاجتماعية وجودة التعليم والصحة والنقل شروطاً مكملة لأي تخفيف جبائي.

إن استعادة 500 درهم مكسب ملموس، لكنها ليست نهاية المعركة، فالدولة التي تخفف الضريبة مطالبة أيضاً بحماية قيمة الأجر، حتى لا يسترد الغلاء، في صمت، ما أعادته السياسة المالية إلى جيوب الأجراء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى