الرئسيةسياسة

من الصحراء لغزة..بلافريج يكشف تناقضات التطبيع

في قراءة نقدية لمسار العلاقات التطبيعية الرسمية المغربية الإسرائيلية ، وجه الفاعل المدني والمهتم بالقضية الفلسطينية، أنيس بلافريج، انتقادات لاختيارات الدبلوماسية المغربية، معتبرا أن الرباط انتقلت إلى مرحلة متقدمة في مسار التطبيع، من خلال رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي إلى سفارة، وإعادة فتح الخطوط الجوية، وتوسيع الاستثمارات والمبادلات الاقتصادية، وصولا إلى توقيع اتفاقية لإلغاء الازدواج الضريبي.

وفي مقال نشره بتاريخ 21 شتنبر 2026، تساءل بلافريج عن دوافع هذا الاندفاع نحو تعزيز العلاقات مع إسرائيل، في وقت تتصاعد فيه المطالب الشعبية المغربية بقطع علاقات التطبيع، وتتجه فيه دول أوروبية إلى تعليق اتفاقيات عسكرية ومقاطعة منتجات المستوطنات.

كما حذر من التداعيات السياسية والاستراتيجية لهذا الاختيار، معتبرا أنه لا يحقق للمغرب مكاسب واضحة، بل يضع صورته الدولية ومصداقية سياسته الخارجية أمام اختبار صعب، فضلاً عن انعكاساته المحتملة على الأمن والسيادة الوطنية.

التطبيع يتقدم رغم تصاعد الرفض الشعبي

يرى بلافريج أن المغرب اختار، خلافا لما كان منتظرا، المضي في اتجاه تعزيز علاقاته مع إسرائيل، رغم اتساع دائرة الرفض الشعبي للتطبيع، واستمرار الحرب الإسرائيلية على الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية والقدس.

وفي هذا السياق، استحضر مواقف عدد من الدول الأوروبية، من بينها إسبانيا وإيطاليا والنرويج، التي اتجهت إلى تعليق اتفاقياتها العسكرية مع إسرائيل، إلى جانب 12 دولة أوروبية، من بينها بريطانيا وفرنسا، قررت مقاطعة منتجات المستوطنات المقامة فوق الأراضي الفلسطينية المحتلة.

ويطرح الكاتب، انطلاقا من هذه التحولات، سؤالا حول المصلحة التي يجنيها المغرب من تعزيز علاقاته مع دولة تقوم بارتكاب إبادة جماعية في غزة وممارسة التطهير العرقي في الضفة الغربية والقدس، فضلا عن توسيع طموحاتها العسكرية والتوسعية في المنطقة.

الصحراء والتطبيع.. ما الذي ربحه المغرب؟

ومن أبرز الأسئلة التي يثيرها بلافريج العلاقة بين التطبيع والموقف الدولي من قضية الصحراء، معتبرا أن تعزيز العلاقات مع إسرائيل لم يغير الوضع الدولي للقضية، في حين ساهم، بحسب تقديره، في تراجع صورة المغرب لدى قطاعات من الرأي العام الدولي، بسبب ارتباطه بدولة تواجه اتهامات واسعة بارتكاب جرائم حرب وإبادة في غزة.

ويرفض الكاتب المبررات الرسمية التي تقدم تعزيز العلاقات مع إسرائيل باعتباره خيارا لا يتعارض مع دعم الفلسطينيين والدفاع عن حل الدولتين، معتبرا أن هذا الخطاب يعاني ازدواجية واضحة ويفتقر إلى المصداقية.

ويتساءل في هذا الصدد عن إمكانية الجمع بين دعم الضحية وتعزيز العلاقات مع الجهة التي تمارس الاعتداء عليه، معتبرا أن المواقف الدبلوماسية لا تُقاس بالتصريحات وحدها، وإنما أيضا بطبيعة الاتفاقيات والشراكات والالتزامات العملية.

التعاون العسكري والاقتصادي.. أسئلة حول المسؤولية المغربية

وينتقل بلافريج إلى الجانب العسكري من العلاقات المغربية الإسرائيلية، معتبرا أن التعاون بين الطرفين تجاوز حدود العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية، ليشمل مجالات ذات حساسية استراتيجية.

وفي هذا الإطار، يثير الكاتب مسألة عبور الأسلحة والذخائر عبر ميناء طنجة المتوسط في اتجاه ميناء حيفا، كما يشير إلى افتتاح مصنع لطائرات «إلبيت» المسيرة بمدينة برشيد، متسائلا عن طبيعة الاستخدامات المحتملة لهذه التكنولوجيا في ظل الحرب الإسرائيلية على الفلسطينيين.

كما يطرح تساؤلات بشأن الاتفاقيات العسكرية والأمنية الأخرى التي لم يُكشف عن تفاصيلها للرأي العام، معتبرا أن غياب الشفافية يزيد من مشروعية القلق حول طبيعة الالتزامات التي دخل فيها المغرب.

وعلى المستوى الاقتصادي، يوجه بلافريج انتقاده إلى اتفاقية إلغاء الازدواج الضريبي بين المغرب وإسرائيل، التي جرى توقيعها خلال الأسبوع السابق لنشر مقاله، معتبرا أنها قد تساهم في تسهيل تدفقات مالية واستثمارات مرتبطة بالاقتصاد الإسرائيلي، بما يعزز قدرته على تمويل سياساته الاستيطانية والعسكرية.

ويرى أن توسيع المبادلات التجارية وإعادة تنشيط النقل الجوي يساهمان بدورهما في تخفيف العزلة الدولية المتزايدة التي تواجهها إسرائيل.

الجنسية وحمل السلاح.. مخاوف من امتداد التطبيع إلى الداخل

ويعتبر بلافريج أن أخطر ما يثير القلق،  هو  فتح المجال أمام امتداد النفوذ الإسرائيلي داخل المغرب، محذرا مما يراه مسارا لـ«استعمار صهيوني زاحف».

وفي هذا السياق، يتحدث عن منح الجنسية المغربية لإسرائيليين على أساس انحدارهم من أصول يهودية مغربية، معتبرا أن هذا التوجه يثير إشكالات قانونية وسياسية، خاصة في ظل ما أورده بشأن القوانين المنظمة للجنسية الصادرة سنتي 1958 و2007.

كما يثير مسألة تصويت البرلمان المغربي على قانون يسمح لهم بحمل السلاح، وفق ما جاء في مقاله، معتبرا أن هذه التطورات تستدعي نقاشا وطنيا حول حدود التطبيع وانعكاساته على السيادة والأمن الداخلي.

ويستحضر الكاتب، في هذا السياق، نفوذ جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، وعلى رأسها لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (AIPAC)، معتبرا أن تأثير هذه الجماعات في مراكز القرار الأمريكي يشكل نموذجاً لما يمكن أن تفضي إليه علاقات النفوذ السياسي والاقتصادي عندما تتجاوز حدود المصالح المتبادلة.

دبلوماسية فقدت ذاكرتها في عالم يتجه نحو تعددية الأقطاب

وفي تقييمه للتحولات الدولية، يعتبر بلافريج أن الدبلوماسية المغربية ابتعدت عن المبادئ المؤسسة لسياستها الخارجية، وفقدت جزءا من ذاكرتها التاريخية، بعدما اختارت الاحتماء بمحور واشنطن ـ تل أبيب، في وقت يشهد فيه العالم تحولات متسارعة نحو نظام دولي متعدد الأقطاب.

ويرى أن الرهان على هذا المحور لم يعد مضمون النتائج، مستحضرا ما يعتبره هزيمة استراتيجية تعرض لها أمام إيران خلال المواجهة العسكرية الأخيرة، وما قد يترتب عنها من تحولات في موازين القوى بالشرق الأوسط.

ويذهب الكاتب إلى أن تداعيات هذه المواجهة قد تمتد إلى دول الخليج، التي بنت جزءا كبيرا من أمنها العسكري على الشراكة مع الولايات المتحدة، معتبرا أن المرحلة المقبلة قد تشهد إعادة ترتيب للوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، وتراجع قدرة واشنطن على حماية حلفائها.

كما يربط هذه التطورات بالوضع السعودي، مشيرا إلى التهديدات التي تواجه أراضي المملكة، وإلى انعكاسات المواجهة الإقليمية على إنتاج النفط وأمن المنطقة.

هل يراجع المغرب اختياراته الاستراتيجية؟

ويخلص بلافريج إلى أن التحولات الجارية تفرض على المغرب إعادة النظر في رهاناته الدبلوماسية والاستراتيجية، وعدم ربط مصالحه بمحور دولي يعتبره خاسرا، أو الارتهان لخيارات قوى خارجية قد تتغير موازين نفوذها في المنطقة.

ويؤكد، في الملاحظة التوضيحية التي ألحقها بمقاله، أن الوضع الدولي لقضية الصحراء لا يتوقف على الولايات المتحدة أو إسرائيل، وأن تسويته لا يمكن أن تتحقق إلا عبر التفاوض مع دول الجوار، في إطار حل يضمن مصالح جميع الأطراف.

كما يحذر من إدخال إسرائيل في هذا النزاع، معتبرا أن ذلك قد يفتح الباب أمام تصعيد عسكري، على غرار ما تعرفه منطقة الشرق الأوسط، ومشيرا إلى أن مصلحة إسرائيل، وفق قراءته، تكمن في إنهاك خصومها عبر الحروب وتغذية الانقسامات، انسجاما مع سياسة «فرّق تسد».

ومن هنا، يطرح الكاتب سؤالا مركزيا يتجاوز حدود العلاقات المغربية الإسرائيلية: هل يستطيع المغرب استخلاص الدروس من التحولات الإقليمية والدولية، والتحرر من وصاية محور واشنطن ـ تل أبيب، واستعادة استقلالية قراره الدبلوماسي، وبناء استراتيجية دفاعية تستند إلى مصالحه الوطنية وسيادته؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى