الرئسيةحول العالم

تقرير مفصل: من الهيمنة للتراجع.. انتخابات تهز عرش ترامب

لم تكن نتائج انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة مجرد خسارة انتخابية عابرة للحزب الجمهوري، بل كشفت عن تصدع واضح في القاعدة السياسية للرئيس دونالد ترامب، بعدما نجح الديمقراطيون في تحويل الاقتراع إلى محاسبة شعبية لحصيلة أدائه.

فبين تراجع القدرة الشرائية، والغضب من الحرب مع إيران، وخيبة أمل الناخبين الذين ساندوه في انتخابات 2024، وجد الجمهوريون أنفسهم أمام تحول في موازين القوى قد يقيد حركة الرئيس خلال العامين المتبقيين من ولايته، ويفتح في المقابل فرصة أمام الديمقراطيين لاستعادة المبادرة.

وفي قراءة لهذه النتائج، اعتبر الكاتب ديفيد إغناطيوس، في مقال بصحيفة «واشنطن بوست»، أن ما أصاب الجمهوريين يتجاوز الخسارة التقليدية التي يتعرض لها الحزب الحاكم في انتخابات التجديد النصفي، واصفا ما حدث بأنه انهيار سياسي مفاجئ لنفوذ بدا، إلى وقت قريب، متماسكا وصعب الاختراق.

واستند إغناطيوس في تحليله إلى مفهوم «نظرية الكارثة» في الرياضيات، الذي يفسر كيف يمكن لتراكم الضغوط داخل نظام يبدو مستقرا أن يقود، عند بلوغ نقطة معينة، إلى انهيار سريع ومفاجئ. وهي الصورة التي يرى الكاتب أنها تنطبق على ما حدث للمعسكر الجمهوري في هذا الاستحقاق الانتخابي.

من التصويت لترامب إلى معاقبته.. الناخبون يغيرون اتجاههم

أحد أبرز المؤشرات التي توقف عندها المقال هو ابتعاد فئات من الناخبين المعتدلين والمستقلين، الذين ساهموا في إيصال ترامب إلى البيت الأبيض سنة 2024، عن الحزب الجمهوري. فبين من اختار التصويت للديمقراطيين ومن فضل العزوف عن المشاركة، تقلصت الكتلة الانتخابية التي كانت تشكل رافعة أساسية للنفوذ الجمهوري.

ويرى إغناطيوس أن حجم الرفض الشعبي كان واسعا إلى درجة يصعب معها قلب النتائج بمجرد التشكيك في نزاهة التصويت أو إثارة الاعتراضات بشأن عمليات الفرز، مشيرا إلى أن الديمقراطيين كانوا، إلى حدود صباح الأربعاء، قد حسموا السيطرة على مجلس الشيوخ، مع تقدمهم نحو تحقيق أغلبية مريحة في مجلس النواب.

ولم يكن الاستياء الانتخابي، بحسب التحليل، مرتبطا فقط بارتفاع أسعار الوقود وتكاليف المعيشة، أو بالتداعيات السياسية للحرب مع إيران، بل شمل أيضا شعورا لدى قطاعات من الأمريكيين بأن ترامب ابتعد عن وعوده الانتخابية، سواء تعلق الأمر بتحسين الأوضاع الاقتصادية أو بوضع حد للحروب الخارجية.

وفي هذا السياق، لخّص رام إيمانويل، المسؤول الديمقراطي السابق الذي عمل مع ثلاثة رؤساء أمريكيين ويدرس إمكانية الترشح للرئاسة سنة 2028، المزاج الانتخابي بقوله إن الأمريكيين غاضبون من ترامب، وإنهم يردون عليه بقسوة.

الديمقراطيون وحدوا خطابهم حول ترامب وتجاوزوا خلافاتهم

ومن المفارقات التي أبرزها إغناطيوس أن الديمقراطيين، رغم ما عرفته صفوفهم من خلافات وتباينات، تمكنوا من بناء خطاب انتخابي موحد، جعل من أداء ترامب وسياساته العنوان المركزي للحملة.

وبدل السماح للخلافات الداخلية بالسيطرة على المشهد، نجح الحزب في نقل النقاش إلى حصيلة الرئيس، مستفيدا أيضا من كثافة ظهوره الإعلامي وخطاباته المطولة خلال الأسابيع التي سبقت الانتخابات، والتي منحت خصومه فرصا متكررة لتسليط الضوء على تناقضاته ومواقفه المثيرة للجدل.

واستحضر الكاتب واقعة دالة على هذا التحول، حين التقى السيناتور الديمقراطي كريس كونز أحد الناخبين صباح يوم الاقتراع. فقد اقترب منه رجل قال إنه صوت لترامب مرتين، قبل أن يعبر عن ندمه الشديد على اختياره، مرددا أنه تعرض للخداع ولا يستطيع تصديق أنه منح صوته لهذا الرئيس.

وتكشف هذه الواقعة، وفق المقال، عن حجم التآكل الذي أصاب الثقة في ترامب، حتى داخل الفئات التي كانت تشكل جزءا من قاعدته الانتخابية.

استراتيجية انتخابية تراهن على الاعتدال والقضايا اليومية

ولم تكن المكاسب الديمقراطية، في نظر إغناطيوس، وليدة الغضب الشعبي وحده، بل ارتبطت أيضا باختيارات انتخابية مدروسة، خصوصا في الدوائر والولايات التي تشهد منافسة متقاربة.

ففي الوقت الذي برز فيه بعض المرشحين التقدميين بدعواتهم الاشتراكية داخل الولايات ذات الأغلبية الديمقراطية، اتجهت قيادة الحزب في الكونغرس إلى مساندة شخصيات أكثر اعتدالا في المناطق المتأرجحة، حيث يكون للخطاب الاقتصادي والاجتماعي تأثير مباشر في حسم النتائج.

وفي هذا الإطار، استشهد الكاتب بالنائب الديمقراطي عن ولاية كولورادو جيسون كرو، الذي قدم قبل عام نصائح لمجموعة من المرشحين المحتملين للكونغرس، دعاهم فيها إلى التعامل مع حملاتهم كما لو كانوا يتنافسون على منصب عمدة مدينة، أي بالتركيز على مشاكل السكان المباشرة بدل الانغماس في المعارك السياسية الوطنية.

وكانت نصيحته واضحة: الاهتمام بالقضايا التي تشغل الناخبين في دوائرهم، والتحلي بالجرأة، وعدم التردد في تغيير الأساليب التي لا تحقق النتائج المطلوبة.

وقد انعكست هذه المقاربة على بعض السباقات الانتخابية، ومنها فوز الديمقراطي ماني روتينيل بمقعد في دائرة بكولورادو كانت خاضعة للنفوذ الجمهوري.

لكن كرو حذر من اعتبار النتائج نهاية المعركة، مؤكدا أن الديمقراطيين مطالبون بتوسيع حضورهم خارج معاقلهم التقليدية على الساحلين الشرقي والغربي، وبناء قاعدة انتخابية أكثر امتدادا في الولايات الأمريكية الداخلية.

هزيمة ترامب تتجاوز واشنطن وتبعث رسائل إلى الحلفاء

ولم تحصر قراءة إغناطيوس انعكاسات الانتخابات في التوازنات الداخلية الأمريكية، بل ربطتها أيضا بمخاوف حلفاء واشنطن من طبيعة التحولات التي عرفتها السياسة الخارجية الأمريكية منذ عودة ترامب إلى السلطة.

وفي هذا السياق، نقل الكاتب عن ويليام بيرنز، المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية، أن القلق الذي ساد لدى الحلفاء قبل عام لم يكن مرتبطا بشخص ترامب وحده، وإنما باحتمال حدوث تحول عميق في نظرة الأمريكيين إلى بلادهم وموقعها في العالم.

واعتبر بيرنز أن نتائج الاقتراع قد تحمل رسالة مطمئنة نسبيا لهؤلاء الحلفاء، مفادها أن التغير السياسي والثقافي الذي كانوا يخشون ترسخه داخل المجتمع الأمريكي ربما لم يبلغ العمق الذي تصوروه.

غير أن هذه المؤشرات لا تعني بالضرورة عودة سريعة إلى السياسة الأمريكية التقليدية، بالنظر إلى استمرار ترامب في امتلاك صلاحيات واسعة في مجال العلاقات الخارجية والدفاع.

إيران وأوكرانيا والصين.. ملفات قد يلجأ إليها ترامب لتعويض خسائره

ومع تقلص هامش المناورة أمام ترامب في الداخل، يطرح المقال احتمال أن يوجه الرئيس اهتماما أكبر إلى السياسة الخارجية، حيث ما زالت سلطاته التنفيذية تمنحه قدرة واسعة على التحرك.

وتتقدم الحرب مع إيران قائمة الملفات التي ستختبر خياراته المقبلة، إلى جانب المفاوضات المرتقبة بشأن الحرب الروسية الأوكرانية، والقمة المحتملة مع الرئيس الصيني شي جين بينغ، بمشاركة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، خلال الشهر الجاري.

وفي المقابل، قد يسعى الديمقراطيون إلى توظيف موقعهم داخل الكونغرس للضغط من أجل زيادة الدعم العسكري لأوكرانيا، وفرض قيود على صلاحيات الرئيس في اتخاذ قرارات الحرب ضد إيران.

كما توقع إغناطيوس أن يصبح وزير الدفاع بيت هيغسيث في مقدمة المسؤولين الذين سيواجهون مساءلة وانتقادات الديمقراطيين. ونقل عن جيسون كرو، الذي سبق أن خدم في قوات رينجرز بالجيش الأمريكي وشارك في عمليات عسكرية خلال الحرب على تنظيم القاعدة، دعوته الصريحة إلى إقالة وزير الدفاع.

هل يتجه الديمقراطيون إلى عزل ترامب أم محاسبته؟

ومن بين التحديات التي ستواجه الحزب الديمقراطي بعد المكاسب الانتخابية، كيفية التعامل مع ترامب سياسيا ومؤسساتيا، خصوصا بشأن المطالب الداعية إلى عزله أو فتح ملفات واسعة لمحاسبته.

وفي هذا الصدد، برز تباين داخل المعسكر الديمقراطي بين من يرى أن الأولوية ينبغي أن تمنح للإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، ومن يعتبر أن ترك التجاوزات المنسوبة إلى الرئيس وأعضاء إدارته دون تحقيق سيشكل تخليا عن المسؤولية الرقابية للكونغرس.

وحذر رام إيمانويل من أن تحويل المرحلة المقبلة إلى معركة طويلة من أجل عزل ترامب قد يكون مكلفا انتخابيا للديمقراطيين، داعيا إلى التركيز على قضايا أكثر ارتباطا بالحياة اليومية، من قبيل رفع الحد الأدنى للأجور، وتحسين الرعاية الصحية، وإصلاح الاختلالات الأخلاقية في تدبير الشأن العام.

وبالنسبة إليه، فإن نجاح الديمقراطيين لن يقاس فقط بقدرتهم على إضعاف الرئيس، بل بمدى سرعة ترجمة وعودهم إلى إجراءات ملموسة يشعر بها المواطنون.

في المقابل، شدد كرو على أن الانشغال بالإصلاحات لا ينبغي أن يكون مبررا للتراجع عن الرقابة البرلمانية، معتبرا أن التحقيق في شبهات الفساد والتجاوزات المنسوبة إلى ترامب وإدارته يدخل في صميم الاختصاصات الدستورية للكونغرس.

أما السيناتور كريس كونز، فدعا إلى استثمار اللحظة الانتخابية لإعادة فتح قنوات التفاهم بين الحزبين بشأن الهجرة، بما يضمن التوفيق بين مراقبة صلاحيات إدارة الهجرة والجمارك والحفاظ على أمن الحدود.

كما أيد تسريع المصادقة على إجراءات ضريبية واجتماعية تشمل تخفيف الأعباء المرتبطة برعاية الأطفال والخدمات الصحية المنزلية والسكن.

نهاية مبكرة للنفوذ السياسي لترامب؟

وفي قراءة أكثر تشاؤما لمستقبل الرئيس، اعتبر المؤرخ والمراسل السياسي روبرت ميري أن ليلة الانتخابات قد تشكل منعطفا حاسما في المسار السياسي لترامب، وربما بداية النهاية لهيمنته على الحياة السياسية الأمريكية.

ويرى ميري أن وجود كونغرس تسيطر عليه المعارضة سيضع الرئيس تحت ضغط سياسي ومؤسساتي متزايد، وقد يدفعه إلى مزيد من التصعيد والتقلب في مواقفه خلال الفترة المتبقية من ولايته.

لكن المؤرخ نفسه لا يرى أن انتصار الديمقراطيين يعني أنهم أصبحوا جاهزين لتقديم بديل سياسي متكامل؛ إذ لا يزال الحزب، بحسب تقديره، يفتقر إلى رؤية حكم قادرة على توحيد شرائح واسعة من الأمريكيين وبناء تحالف انتخابي مستدام.

وهنا تكمن المفارقة الأساسية في نتائج الاقتراع: فقد نجح الديمقراطيون في تعبئة الغضب ضد ترامب، لكن قدرتهم على تحويل هذا الغضب إلى مشروع سياسي طويل الأمد تظل رهينة بما سيقدمونه من بدائل وإصلاحات.

وبين رئيس فقد جزءا مهما من رصيده السياسي وحزب معارض استعاد زمام المبادرة دون أن يحسم بعد ملامح مشروعه، تبدو انتخابات التجديد النصفي أكثر من مجرد إعادة توزيع للمقاعد داخل الكونغرس؛ إنها اختبار لمستقبل ترامب السياسي، ولقدرة الديمقراطيين على الانتقال من معارضة الرئيس إلى تقديم بديل يقنع الأمريكيين بأن التغيير ممكن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى