
°بقلم بثينة المكودي
في الوقت الذي تتوسع فيه أوراش السكن وإعادة الهيكلة بعدد من المدن المغربية، تتزايد شكاوى مواطنين من الطريقة التي تُنفّذ بها هذه المشاريع، والتي يقول متضررون إنها لم تؤد إلى تحسين أوضاعهم المعيشية، بل عمّقت هشاشتهم، ودفعت بهم نحو أطراف المدن حيث العزلة وغياب الخدمات الأساسية.
تهجير باسم التهيئة
تُنجَز عمليات هدم واسعة بدعوى “إعادة الهيكلة”أو “لتأهيل الحضري“، ويتم ترحيل أسر من أحياء شعبية إلى مناطق بعيدة عن مركز المدينة، في مساكن تفتقر في كثير من الحالات إلى شروط العيش الكريم من نقل ومدارس ومراكز صحية.
ويؤكد متتبعون أن إعادة الهيكلة تحوّلت في عدد من الحالات من ورش اجتماعي إلى إجراء إداري يهدف إلى إفراغ مناطق استراتيجية من ساكنيها الأصليين، تمهيدًا لإعادة توظيفها في مشاريع عقارية موجهة للفئات الميسورة.
مدينتان داخل مدينة واحدة
النتيجة المباشرة لهذا النهج هي نشوء واقع حضري غير متوازن، يمكن تلخيصه في صورة “مدينتين داخل مدينة واحدة”؛ مدينة نظيفة، مضاءة، تتوفر فيها كل شروط العيش اللائق، موجهة للطبقات الميسورة…
ومدينة أخرى مهمشة، بعيدة، تفتقر إلى أبسط الخدمات، يسكنها الفقراء وذوو الدخل المحدود.
وبين هاتين المدينتين مسافة ليست جغرافية فقط، بل اجتماعية وإنسانية، تتسع يومًا بعد يوم بفعل سياسات حضرية لا تضع العدالة المجالية في صلب أولوياتها.
صعود المشاريع الفاخرة مقابل تراجع العدالة الاجتماعية
تُحول أراض كانت تؤوي مئات الأسر إلى مشاريع فاخرة أو تجزئات مغلقة، بينما يتم دفع الساكنة الأصلية إلى أماكن هامشية بلا أفق واضح.
ويرى فاعلون مدنيون أن هذا التوجه يُكرس منطق “المدينة كسلعة” بدل “المدينة كحق”، ويحوّل المجال الحضري إلى فضاء استثماري صرف.
سكن اجتماعي… بالاسم فقط
في المقابل، يعاني السكن الاجتماعي من اختلالات واضحة، سواء على مستوى الجودة أو المراقبة. ويشتكي مستفيدون من رداءة البناء، وغياب المرافق الأساسية، وارتفاع الكلفة غير المباشرة للسكن.
ويحمّل متابعون المسؤولية لضعف الحكامة، وغياب المحاسبة، وترك الملف بيد منطق السوق.
عمران بلا عدالة
من زاوية تحليلية، فشل السياسات السكنية الحالية لا يكمن في قلة المشاريع، بل في غياب رؤية عادلة وشاملة. فالعمران لا يُقاس بشموخ البنايات، بل بكرامة سكانها.
ويحذر خبراء من أن استمرار هذا النهج سيؤدي إلى تفكك اجتماعي صامت، تُبنى فيه المدن على حساب الإنسان.
مطلب الإصلاح والمحاسبة
أمام هذا الواقع، تتصاعد مطالب المجتمع المدني بضرورة إعادة النظر في سياسة السكن، وربط أي مشروع سكني بتوفير الخدمات الأساسية، وإدماج الساكنة في القرار.
كما يُطالب فاعلون بتعامل فعلي مع السكن كحق دستوري، لا كمنتج تجاري.
وجدير بالذكر أن التصفية العقارية كشفت أن الأزمة ليست في عدد العمارات، بل في غياب العدالة داخل المدن. فحين يتحول التعمير إلى أداة إقصاء، يفقد العمران إنسانيته




