الرئسيةمجتمع

“الحوت”..وفرة في البحر وغلاء في السوق

تحرير: جيهان مشكور

عاد ملف غلاء أسعار السمك ليطفو على سطح النقاش البرلماني، لا كقضية معيشية عابرة، بل كمرآة تعكس اختلالات عميقة في تدبير قطاع يُفترض أن يكون من ركائز الأمن الغذائي بالمغرب..

فتحت قبة مجلس النواب، وُضعت كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري، زكية الدريوش، في موقف لا تُحسد عليه، بعدما واجهها النائب البرلماني مولاي المهدي الفاطمي بتناقض صارخ بين وفرة المصطادات البحرية وعجز المواطن البسيط عن تذوقها.

وفرة في البحر… وندرة في موائد المغاربة

المفارقة التي فجّرت النقاش بسيطة في ظاهرها، صادمة في عمقها: اذ يُعد المغرب من بين أغنى الدول من حيث الثروة السمكية، بأرقام رسمية تتحدث عن إنتاج سنوي يناهز 1,4 مليون طن، ونشاط يومي مكثف لمراكب الصيد الساحلي والتقليدي، ومع ذلك يتحول السمك في الأسواق إلى سلعة شبه فاخرة..

من الميناء إلى السوق… طريق مليء بالثقوب

لم يعري تساؤل الفاطمي عن الفريق الاشتراكي–المعارضة الاتحادية : “فين كيمشي هاد الحوت؟” واقعا مسكوت عنه فقط، بل تجاوز ذلك لإتهام سياسي مبطن لمنظومة توزيع غير شفافة،خاصة الأصناف المعروفة بوفرتها مثل الروطال والصول؟ سؤال يفتح الباب أمام فرضيات التصدير المفرط، وهيمنة الوسطاء، وضعف المراقبة، في غياب إجابات رسمية مقنعة.

أسعار تصفع القدرة الشرائية

وفيما لا يتجاوز الحد الأدنى للأجور حوالي 3 آلاف درهم، فإن اقتناء سمك الإسبادو بأزيد من 220 درهما للكيلوغرام، أو “الصول” بـ180 درهما، يصبح ضربا من العبث الاجتماعي.. فهذه الأسعار، التي أكدها البرلماني داخل الجلسة، تكشف فشلًا واضحًا في ضبط سلاسل التسويق، وتطرح تساؤلات حول دور الوزارة الوصية في حماية المستهلك، كما تبرز تناقضا مع التصريحات الحكومية التي تعتبر السمك ركيزة من ركائز الأمن الغذائي.

سياسة بحرية بلا أثر اجتماعي؟

أعاد الجدل البرلماني النقاش إلى مربعه الحقيقي: ما جدوى السياسات العمومية إذا بقي أثرها حبيس الوثائق؟ فاستمرار غلاء السمك، رغم وفرة المصطادات، لا يحرج فقط كاتبة الدولة، بل يضع الخطاب الحكومي برمته موضع تشكيك، ويعمّق الفجوة بين “المغرب المنتج” و”المغربي المستهلك”.. فحين يتحول السمك إلى لغز، يصبح السؤال سياسيًا بامتياز: لمن يُصاد هذا الحوت؟ ولمن يُترك الغلاء؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى