
اقتصاد الوهم: حين يتحول الحلم بالثراء إلى فخ جماعي
في زمن تتآكل فيه القدرة الشرائية وتتسع فيه الفجوة بين الطموح والواقع، لم يعد مستغربًا أن يجد كثير من المغاربة أنفسهم فريسة سهلة لوعود الثراء السريع، غير أن ما كشفه وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت يضع هذه الظاهرة في سياق أكثر خطورة، حيث لم تعد مجرد حالات معزولة، بل تحولت إلى اقتصاد موازٍ قائم على الوهم، يقتات على هشاشة اجتماعية متفاقمة وثقافة مالية محدودة.. فالأرقام الرسمية التي تحدثت عن 182 قضية مرتبطة بالتسويق الهرمي الاحتيالي خلال الفترة الممتدة من فاتح يناير 2024 إلى 15 فبراير 2026، ليست مجرد معطيات تقنية، بل هي مؤشرات على خلل بنيوي في منظومة الحماية الاقتصادية والاجتماعية.
وواقع يتجاوز الأرقام الرسمية
تكشف المعطيات أن المصالح الأمنية تمكنت من معالجة 135 ملفًا، مع توقيف 137 شخصًا وإحالتهم على العدالة، في حين بلغ عدد الضحايا حوالي 1887 شخصًا، غير أن هذه الأرقام، على أهميتها، تظل على الأرجح أقل من الواقع، بالنظر إلى طبيعة هذا النوع من الاحتيال الذي يعتمد على علاقات الثقة والقرابة، ما يجعل العديد من الضحايا يترددون في التبليغ، وهنا يكمن الخطر الحقيقي، حيث يتحول الاحتيال من جريمة فردية إلى شبكة اجتماعية مغلقة، يصعب اختراقها أو تفكيكها.
منصات رقمية… وأساليب استقطاب أكثر دهاءً
لم يعد التسويق الهرمي يعتمد فقط على اللقاءات المباشرة، بل انتقل بذكاء إلى الفضاء الرقمي، مستفيدًا من انتشار وسائل التواصل الاجتماعي ومن ضعف التأطير القانوني لبعض الأنشطة الإلكترونية، بعروض براقة، وشهادات نجاح مزيفة، وخطابات تحفيزية تستهدف الشباب الباحث عن فرصة سريعة لتغيير واقعه، كل هذه الأدوات الحديثة تمنح هذه الشبكات قدرة أكبر على الانتشار، وتضفي على أنشطتها طابعًا “احترافيًا” يخفي حقيقتها الاحتيالية.
الهشاشة الاجتماعية كحاضنة للظاهرة
لا يمكن فصل انتشار هذه الظاهرة عن السياق الاقتصادي والاجتماعي، حيث تلعب البطالة، خاصة في صفوف الشباب، وارتفاع تكاليف المعيشة، دورًا مباشرًا في تغذية هذا النوع من الأنشطة، حين يغيب الأمل في فرص الشغل المستقرة، ويصبح الوعد بالربح السريع مغريًا، حتى وإن كان محفوفًا بالمخاطر.. وهنا يتحول الضحية في كثير من الأحيان إلى شريك في الجريمة دون وعي، إذ يجد نفسه مطالبًا باستقطاب آخرين لتعويض خسارته.
بين الردع القانوني والحاجة إلى التوعية
رغم المجهودات الأمنية والقضائية، التي أفضت إلى توقيف عشرات المتورطين، فإن المقاربة الزجرية وحدها تبدو غير كافية، فالمعركة الحقيقية هي معركة وعي، وتتطلب تعزيز الثقافة المالية لدى المواطنين، وتكثيف حملات التحسيس، خاصة في الفضاء الرقمي، كما تبرز الحاجة إلى تحديث الترسانة القانونية لمواكبة تطور أساليب الاحتيال، وإلى تنسيق أكبر بين المؤسسات المعنية.
في النهاية، لا يتعلق الأمر فقط بمكافحة جريمة، بل بمواجهة ظاهرة تعكس اختلالات أعمق في بنية الاقتصاد والمجتمع، حيث يصبح الحلم بالثراء السريع مرآة لواقع يضيق فيه الأفق، ويتسع فيه هامش الوهم.





