
تسدل الأحزاب المغربية، مساء اليوم الثلاثاء، الستار على الحملة الانتخابية، قبل أن يتوجه المغاربة غدا الأربعاء 23 شتنبر إلى صناديق الاقتراع لاختيار أعضاء مجلس النواب.
ثلاثة عشر يوما من الخطابات والمهرجانات والوعود انتهت، لكن ما كشفته الحملة يتجاوز بكثير سباقا انتخابيا على 395 مقعداً.
فخلف كل ما قيل عن الأسعار والأجور والبطالة والصحة والسكن والحماية الاجتماعية، كان هناك سؤال سياسي أكبر ظل حاضرا، وإن بدرجات متفاوتة: هل الانتخابات مجرد آلية لتغيير الحكومة، أم أنها يمكن أن تكون مدخلاً لإعادة النظر في طريقة بناء الدولة وتوزيع السلطة وصناعة القرار؟
هنا تحديدا يمكن قلب مثلث الحملة: من البرامج إلى السياسة، ومن السياسة إلى سؤال الدولة، ومن سؤال الدولة إلى طبيعة نظام الحكم.
تحالف اليسار وحده ذهب إلى أصل السؤال
إذا كانت غالبية الأحزاب قد خاضت الحملة من بوابة البرامج الاقتصادية والاجتماعية، ودخل بعضها في مواجهة مباشرة حول حصيلة الحكومة، فإن تحالف اليسار ذهب إلى منطقة سياسية مختلفة.
لم يكتف التحالف بالقول إن الحكومة أخفقت في التشغيل أو القدرة الشرائية أو الخدمات العمومية، ولم يطرح نفسه فقط باعتباره بديلا حكوميا.
لقد وضع إشكالية نظام الحكم وبناء الدولة في مقدمة أي إصلاح سياسي واقتصادي واجتماعي حقيقي.
فالتحالف يطرح بوضوح مطلب الملكية البرلمانية، باعتبارها أفقا لإعادة بناء العلاقة بين المؤسسة الملكية والمؤسسات المنتخبة، وتوسيع مجال القرار الديمقراطي، وجعل الحكومة والبرلمان في قلب ممارسة السلطة السياسية والمساءلة.
وفي ميثاقه السياسي، ربط التحالف الانتقال إلى الملكية البرلمانية بإصلاح دستوري وسياسي عميق، وببناء دولة ديمقراطية تقوم على فصل السلط وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتوسيع صلاحيات المؤسسات المنتخبة.
وهذه ليست مجرد جزئية ضمن برنامج انتخابي طويل؛ إنها الفكرة التي يريد التحالف أن يبني عليها باقي الإصلاحات.
بمعنى آخر، لا يقول تحالف اليسار إن المشكلة تكمن فقط في أن حكومة معينة لم تنجح في تدبير قطاع أو ملف، بل يطرح سؤالا أكثر جذرية: هل يمكن إصلاح الاقتصاد والمجتمع والديمقراطية من دون إصلاح بنية القرار السياسي نفسها؟
وهنا يكمن الاختلاف الجوهري في هذه الحملة.
التقدم والاشتراكية يضع الانفراج السياسي في قلب الإصلاح
حزب التقدم والاشتراكية اقترب بدوره من هذا المستوى السياسي، وإن من موقع مختلف عن تحالف اليسار.
فالحزب جعل الانفراج السياسي والحقوقي، وتفعيل الدستور، وتوطيد الخيار الديمقراطي، ودولة الحق والقانون جزءا أساسيا من خطابه الانتخابي، وربط الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي بضرورة إعادة الاعتبار للمؤسسات والحريات والحقوق.
وكان لافتا أن الحزب لم يتعامل مع الانتخابات فقط باعتبارها سباقا حول القدرة الشرائية والتشغيل، بل تحدث عن الحاجة إلى انفراج سياسي وحقوقي، وعن ضرورة إصلاح المناخ السياسي، وربط الديمقراطية بالتنمية والعدالة الاجتماعية.
وهذا ما جعله، إلى جانب تحالف اليسار، من أبرز الأصوات التي أعادت السياسة إلى قلب الحملة، في وقت اختارت فيه غالبية الأحزاب أن تركز على الملفات الاجتماعية والاقتصادية المباشرة.
الأغلبية اختارت الدفاع عن الحصيلة
في المقابل، دخلت أحزاب الأغلبية الانتخابات من موقع الدفاع عن خمس سنوات من التدبير الحكومي.
حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي قاد الحكومة، حاول الدفاع عن حصيلته، لكنه انخرط كذلك في تقديم وعود جديدة مرتبطة بالقدرة الشرائية والتشغيل والدولة الاجتماعية، بينما قدمت باقي مكونات الأغلبية نفسها باعتبارها جزءاً من الاستمرارية الحكومية.
وكان واضحاً أن خطاب الأغلبية ركز على ما أنجز وما سيُنجز، أكثر مما ركز على سؤال طبيعة النظام السياسي أو إعادة توزيع الاختصاصات ومجالات القرار.
وهكذا تحولت الانتخابات في جانب كبير من خطابها إلى استفتاء سياسي على الحصيلة الحكومية: هل تستمر الأغلبية الحالية، أم تنتقل البلاد إلى أغلبية جديدة؟
لكن هذا السؤال، مهما كانت أهميته، ظل أضيق من السؤال الذي طرحه تحالف اليسار.
المعارضة بين محاسبة الحكومة وإعادة تعريف السياسة
معظم أحزاب المعارضة اختارت الدخول من بوابة محاسبة الحكومة على الأسعار والتشغيل والصحة والتعليم والسكن والفساد وتضارب المصالح.
وحزب العدالة والتنمية قدم نفسه باعتباره بديلاً عن الحكومة الحالية، مستنداً إلى خطاب سياسي يستحضر تجربته السابقة في تدبير الشأن الحكومي، وإلى وعود تتعلق بمحاربة الفساد وتضارب المصالح ودعم الأسر وتحسين الخدمات.
كما برز الحزب ميدانياً في عدد من المدن، وكان حضور تجمعاته الانتخابية لافتاً، خصوصاً في سلا وأكادير، حيث شهدت حملته تعبئة جماهيرية وتنظيمية أعادت الحزب إلى واجهة المنافسة الانتخابية بعد سنوات من التراجع.
وفي الوقت نفسه، سجل حزب التقدم والاشتراكية حضوراً سياسياً وانتخابياً لافتاً، مستفيداً من خطاب يزاوج بين العدالة الاجتماعية والانفراج السياسي والديمقراطية والحريات.
تعاطف واسع مع تحالف اليسار
ومن السمات البارزة التي ميزت الأيام الأخيرة من الحملة بروز تعاطف واسع مع تحالف اليسار، عبّر عنه مثقفون وفنانون وجامعيون وحقوقيون وفعاليات مدنية وشرائح اجتماعية مختلفة.
ولم يكن هذا التعاطف منفصلاً عن طبيعة الخطاب الذي قدمه التحالف. فقد بدا لكثير من المتابعين أن التحالف أعاد إلى الحملة مفردات سياسية غابت عن معظم الخطابات: الديمقراطية، الحريات، دولة الحق والقانون، توزيع السلطة، الملكية البرلمانية، العدالة الاجتماعية، ومحاربة الريع والفساد.
وبذلك لم يبد التحالف وكأنه يدخل الانتخابات فقط من أجل الحصول على مقاعد، وإنما باعتبارها مناسبة لطرح تصور سياسي كامل حول المغرب الذي يريد بناءه.
وهذا ما منح حضوره خلال الحملة بعداً تجاوز بكثير حجمه التنظيمي والانتخابي.
التطبيع أيضاً دخل إلى قلب المعركة
ومن الملفات التي أعادت السياسة إلى الحملة بقوة ملف التطبيع مع إسرائيل.
وفي هذا الجانب كان موقف تحالف اليسار واضحاً في رفض التطبيع والمطالبة بوقفه، وربط ذلك بالموقف من القضية الفلسطينية وبالسياسة الخارجية للمغرب.
وهو ملف لم يكن تفصيلا انتخابيا عابرا، لأنه كشف مرة أخرى اختلافاً في طبيعة الخطاب: أحزاب تحدثت أساسا عن تدبير الاقتصاد والخدمات، بينما اختار تحالف اليسار إدخال السياسة الخارجية والاختيارات السيادية في صلب النقاش الانتخابي.
الحملة كشفت ثلاثة اتجاهات
في نهاية المطاف، يمكن قراءة حملة 2026 عبر ثلاثة اتجاهات سياسية واضحة.
الأول، اتجاه الاستمرارية، وتمثله أساساً الأغلبية التي دافعت عن حصيلة الحكومة وقدمت نفسها باعتبارها الأقدر على مواصلة الأوراش القائمة.
والثاني، اتجاه التغيير الحكومي، الذي رفعته أحزاب معارضة قدمت نفسها باعتبارها بديلاً عن الأغلبية الحالية، وعلى رأسها العدالة والتنمية في جزء من خطابه، إلى جانب أحزاب أخرى ركزت على محاسبة الحكومة.
أما الاتجاه الثالث، والأكثر اختلافاً، فقد مثله تحالف اليسار الذي لم يجعل السؤال هو فقط: من سيحكم الحكومة المقبلة؟ بل طرح سؤالاً أسبق: كيف يجب أن تُبنى الدولة، وكيف ينبغي أن تمارس السلطة، وما موقع المؤسسات المنتخبة داخل منظومة الحكم؟
وهذا تحديداً هو قلب المثلث الذي ميز خطاب التحالف عن أغلب المنافسين.
غداً الصندوق.. وبعده السؤال الحقيقي
تنتهي الحملة عند منتصف الليل، وتسكت المنصات والميكروفونات والمهرجانات، لكن النقاش الذي فتحته لن ينتهي بالضرورة مع بداية الصمت الانتخابي.
فالانتخابات ستحدد تركيبة البرلمان والحكومة المقبلة، لكنها كشفت أيضاً عن اختلاف واضح في تعريف معنى التغيير نفسه.
هناك من يرى التغيير في تغيير الحكومة، وهناك من يراه في تغيير السياسات والبرامج، بينما ذهب تحالف اليسار إلى مستوى أبعد: التغيير الحقيقي يبدأ من إعادة بناء الدولة وإصلاح نظام الحكم وتوسيع المجال الديمقراطي، وأن أي إصلاح اقتصادي أو اجتماعي سيظل محدوداً إذا لم يستند إلى إصلاح سياسي ودستوري عميق.
وهذه، ربما، كانت الرسالة السياسية الأكثر وضوحاً التي خرجت بها هذه الحملة: لم يعد السؤال فقط من سيحكم بعد 23 شتنبر، بل أي دولة يريد المغاربة أن تحكم باسمهم، وكيف ينبغي أن تُمارس السلطة داخلها.





