
يدخل إصلاح منظومة التأمين الإجباري الأساسي عن المرض بالمغرب مرحلة جديدة، ابتداءً من فاتح فبراير 2027، مع انتقال تدبير نظام القطاع العام من الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي «CNOPS» إلى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي «CNSS»، وذلك في إطار تنزيل مقتضيات القانون رقم 54.23، المنشور بالجريدة الرسمية عدد 7478 بتاريخ 29 يناير 2026.
ويأتي هذا التحول في سياق إعادة تنظيم تدبير الحماية الاجتماعية، عبر توحيد الجهة المكلفة بالتدبير، دون أن يعني ذلك بالضرورة توحيد نظامي التأمين الخاص بالقطاعين العام والخاص، إذ سيحتفظ كل نظام بقواعده وشروط تمويله وتعويضاته، وفق المقتضيات الجاري بها العمل.
فاتح فبراير 2027.. الموعد الرسمي للانتقال
وفقاً للمادة 19 من القانون رقم 54.23، يدخل النص حيز التنفيذ بعد مرور اثني عشر شهراً، تحتسب ابتداءً من فاتح الشهر الموالي لتاريخ نشره بالجريدة الرسمية، وهو ما يجعل فاتح فبراير 2027 موعداً للشروع في نقل تدبير التأمين الصحي لموظفي القطاع العام إلى «CNSS».
ويُرتقب أن تواكب هذه المرحلة ترتيبات تنظيمية وإدارية، من خلال إعداد النصوص التطبيقية وتكييف المساطر المرتبطة بالتسجيل والانخراط وتحمل المصاريف الطبية والتعويضات، بما يضمن استمرارية الخدمات خلال مرحلة الانتقال.
الأبناء الطلبة.. تمديد سن الاستفادة إلى 30 سنة بشروط
ومن أبرز المستجدات التي جاء بها القانون، رفع سن استفادة الأبناء غير المتزوجين الذين يتابعون دراستهم العليا أو تكوينهم المهني إلى 30 سنة.
غير أن هذا التمديد ليس امتيازاً تلقائياً لجميع الأبناء، بل يظل مشروطاً بمواصلة الدراسة أو التكوين داخل مؤسسات مرخص لها، مع الإدلاء بالوثائق التي تثبت الوضعية الدراسية، وفق الشروط المحددة قانوناً.
ويشكل هذا المقتضى مستجداً مهماً بالنسبة للأسر التي يتحمل فيها الآباء تكاليف تمدرس أبنائهم إلى مراحل متقدمة من التعليم العالي والتكوين المهني.
التعاضديات لن تختفي.. واستمرار الاتفاقيات القائمة
وعلى خلاف بعض التأويلات المتداولة بشأن مستقبل التعاضديات، فإن القانون لا ينص على اختفائها بشكل تلقائي، بل تحدد المادة 12 ترتيبات انتقالية تقضي بحلول «CNSS» محل «CNOPS» في الاتفاقيات القائمة.
كما تنص على استمرار العمل بهذه الاتفاقيات لمدة تحدد بموجب مرسوم، مع التنسيق بشأن عمليات الانخراط والتسجيل واستمرار خدمات الطرف الثالث المؤدي، وفق الاتفاقيات المعمول بها.
ويعني ذلك أن مستقبل العلاقة بين الصندوق والتعاضديات سيظل مرتبطاً بالتدابير التنظيمية التي ستؤطر المرحلة الانتقالية.
مستخدمو «CNOPS».. نقل تلقائي مع الحفاظ على الأقدمية
ومن الجوانب التي حسم فيها القانون مسألة الوضعية المهنية لمستخدمي «CNOPS»، حيث تشمل عملية النقل التلقائي الموظفين المرسمين والمتدربين والمتعاقدين الذين يزاولون مهامهم عند دخول القانون حيز التنفيذ.
وينص الإصلاح على حماية وضعيتهم النظامية، واحتساب أقدميتهم، مع استمرار انخراطهم في أنظمة التقاعد المعنية.
وفي هذا السياق، يتعين التمييز بين المستخدمين المعنيين بالنقل التلقائي وبين المتقاعدين، إذ إن النص يتحدث عن المتعاقدين، وليس عن إدراج المتقاعدين ضمن فئة المستخدمين المنقولين للعمل بـ«CNSS».
هل ستنتقل الملفات تلقائياً دون إجراءات؟
رغم أن الانتقال يندرج ضمن إصلاح مؤسساتي يروم إعادة تنظيم تدبير التأمين الصحي، فإن بعض التفاصيل العملية لا تزال تحتاج إلى توضيحات رسمية، خصوصاً ما يتعلق بكيفية نقل ملفات المؤمنين وذوي حقوقهم، ومدى الحاجة إلى تحيين المعطيات أو استكمال وثائق التسجيل.
كما لا يمكن الجزم مسبقاً بأن جميع الملفات ستنتقل إلكترونياً دون أي تدخل من المؤمنين، أو أن التعويضات ستتم بالضرورة داخل الآجال نفسها ودون أي تأخير، ما دامت ترتيبات الانتقال والمساطر التطبيقية لم تستكمل بعد.
وتشير المعطيات المتعلقة بالتحضير لهذا الورش إلى استمرار العمل على التشخيص وخطة النقل، إلى جانب إعداد النصوص التنظيمية الضرورية لتكييف مختلف المساطر.
إصلاح جديد واختبار حقيقي لاستمرارية الخدمات
وبين الضمانات التي يتضمنها القانون والتحديات التي تطرحها عملية التنزيل، يبقى الرهان الأساسي هو ضمان عدم تأثر حقوق المؤمنين وذوي حقوقهم خلال مرحلة الانتقال، والحفاظ على استمرارية تحمل المصاريف الطبية والتعويضات، دون تعقيدات إدارية إضافية.
كما تظل الحاجة قائمة إلى توضيحات رسمية بشأن عدد المستفيدين المعنيين، وكيفية تدبير الاقتطاعات والملفات الجارية، ومستقبل الخدمات التي تقدمها التعاضديات.
فنجاح هذا الإصلاح لن يقاس فقط بتغيير المؤسسة المكلفة بالتدبير من «CNOPS» إلى «CNSS»، وإنما بمدى انعكاسه إيجاباً على جودة الخدمات، وسرعة معالجة الملفات، وحماية حقوق ملايين المغاربة الذين يعولون على التأمين الصحي لتأمين حقهم في العلاج.





